تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٩٦
ثم يبرز حيث لا يراه أنيس فيشرف اللّه عليه و هو راجع و ساجد أن العبد إذا سجد نادى إبليس يا ويلاه أطاع هذا و عصيت و سجد هذا و أبيت و أقرب ما يكون العبد من اللّه إذا سجد فأحب الأعمال إلى اللّه يعنى الّذي يحبه من عباده الصلاة ظاهرها و باطنها فظاهرها معروف و باطنها كما ذكرنا دعوة الحق، و هى آخر وصايا الأنبياء لأن النبي صلى اللّه عليه و سلم إذا أزفت نقلته أوصى إلى وصيه و أمره بأن يقيم الدعوة لنفسه كما كانت له هو فى حياته، فذلك آخر ما يوصى به لأنه لا يوصى بذلك أعنى الدعوة إلى غيره حتى ينقضى أمره، و الّذي استحسن من الغسل و الوضوء فهو فى الباطن كما ذكرنا الطهارة من المعاصى و الذنوب و الصلاة الدخول فى دعوة الحق و قوله حيث لا يراه أنيس، يعنى حيث لا يطلع عليه و لا يراه أحد من أهل الظاهر و ركوعه و سجوده الإقرار منه و الطاعة لولى أمره و لمن نصبه الولى له.
و قوله و أقرب ما يكون العبد من اللّه إذا سجد فقد تقدم بيانه و أنه ليس شيء أقرب إلى اللّه من شيء و المعنى فى القرب منه التقرب إليه بصالح الأعمال، و قول إبليس إذا رأى المؤمن ساجدا أى مطيعا يا ويلاه أطاع هذا و عصيت و سجد هذا و أبيت، بيان ذلك أن السجود الطاعة فى الباطن و إبليس من أبلس أى يئس من رحمة اللّه لإصراره على معاصيه و الإبلاس فى اللغة اليأس فكذلك من غلبته شهوته و استولت عليه شقوته فتمادت به معصيته لا يؤمل الإقلاع عنها و لا يضمر التوبة منها مؤثرا لزوم ذنبه آيسا من رحمة ربه إذا رأى أهل الطاعة و العبادة غبطهم بما هم فيه و عرف فضلهم عليه.
و يتلو ذلك قول أبى جعفر محمد بن على صلى اللّه عليه و سلم: إذا أحرم العبد المسلم فى صلاته أقبل اللّه إليه بوجهه و وكل به ملكا يلتقط القرآن من فيه التقاطا فإذا أعرض أعرض اللّه عنه و وكله إلى الملك، تأويل ذلك أن الإحرام فى الظاهر الدخول فى الصلاة و كذلك هو فى الباطن الدخول فى الحق التى هى باطن الصلاة و وجه اللّه هو وليه الّذي يتوجه به إليه أهل كل زمان لأن اللّه تعالى لا يوصف بصفات خلقه، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، و إقبال اللّه به على من استجاب لدعوته هو نصبه إياه لهم و توكيل الملك بالمستجيب هو توكيل الّذي ملك أمر تقويمه و تبصيره و إرشاده و تربيته و التقاطه القرآن من فيه هو أخذه عهده و ميثاقه لإمام زمانه فيأخذ إقراره له