تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٤٩
بالباطن فإذا وجبت مفاتحته و فوتح كان ذلك أيضا له مثل الختان فلذلك يقال فى الظاهر إذا اختتن أنه طهر فتأويل ذلك يجرى فى المفيد و فى المستفيد على ما ذكرناه و أما خفض الجوارى و هو قطع ما خرج عن حد فروجهن فمثله فى الباطن قطع ما يظهره المستفيد الّذي مثله مثل المرأة مما يلقى إليه من الباطن من قبل أن يؤذن له فى ذلك و يصير فى حد الرجال و أمثالهم.
و يتلو ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: لا يترك الأقلف فى الإسلام حتى يختتن و لو بلغ ثمانين سنة، فالأقلف فى الظاهر هو الّذي لم يختتن، و باطن ذلك أن من استسلم لأولياء اللّه تعالى و استجاب لدعوتهم لم يترك على ظاهر ما كان عليه بل يكشف له عن الباطن و يعلم الحكمة و إن بلغ من السن أقصى العمر و لم يكن مثله فى حد من يتعلم فيما يتعارف من ظاهر أمر الناس فإنه لا بد له من أن يتعلم من ذلك ما لا يسعه جهله.
و من ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم طلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة.
و يتلو ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: أول من اختتن إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم على رأس ثمانين سنة من عمره أوحى اللّه إليه أن تطهر فأخذ من شاربه ثم قيل له تطهر فقلم أظفاره ثم قيل له تطهر فنتف إبطيه ثم قيل له تطهر فحلق عانته ثم قيل له تطهر فاختتن. و تأويل ذلك فى الباطن أن إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم أول من كشف له عن علم الباطن حقيقة الكشف و كان ذلك فيما قبله إنما يدرك بالإشارة و الرموز و بدون ما كشف له عنه و من ذلك قول اللّه: «وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ» [١].
و قوله: «وَ إِذْ قٰالَ إِبْرٰاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتىٰ» الآية [٢] و قد مضى تأويلها فإبراهيم صلى اللّه عليه و سلم هو أول من أمده اللّه تعالى بالاتساع فى العلم و كشف له عن مكنون سر الحكمة و جميع أهل الشرائع بعده على اتباعه و التأسى به و ملته هى الملة الحنيفية التى بعث اللّه بها محمدا صلى اللّه عليه و سلم لما غيرها المبطلون ليحييها و يقيمها.
[١] سورة الأنعام: ٧٥.
[٢] سورة البقرة: ٢٦٠.