تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٤٣
مثل احتياط المؤمن على ما تأدى إليه من العلم و الحكمة أن يوصل إليه من قبله بمثل ذلك و مثل من لا يغسل يده من الغمر مثل من يشير و يومى إلى الممنوعين من الحكمة بما عنده منها و هو لم يؤذن له فى ذلك، و معنى قوله إذا أوى أحدكم إلى فراشه يعنى الستر و الكتمان فحافظوا سر دينكم معشر المؤمنين من أن تذيعوه أو تؤموا به إلى الشياطين ممن ذهب إلى غير مذهبكم أو كان منكم ففسق عن أمركم فقد ذكر اللّه شياطين الإنس و الجن يوحى بعضهم إلى بعض و الوحى هاهنا الإشارة و الإيماء قال تعالى: «فَأَوْحىٰ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا» [١] يعنى أنه أشار إليهم و أومى بذلك فمن فعل ذلك فقد جرى مجرى الشيطان، و غسل الأيدى من الغمر فى الظاهر من السنة و ما يستحب لما فيه من النظافة.
و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه نهى أن ترفع الطست حتى تمتلئ، تأويل ذلك أن الطشت فى الظاهر إناء غسالة الأيدى و من آداب الوضوء فى الظاهر ألا ترفع من بين أيدى الجماعة ليراق ما فيها حتى يغسلوا أيديهم عن آخرهم و لا يرفعها و يريق ما فيها كلما غسل كل واحد منهم يديه كما يفعل ذلك من يجهل السنة فيه، و مثل ذلك فى الباطن ألا يكون من يفيد القوم يقتصر فى الوصية و الأخذ فى الكتمان على بعض من يفيده دون بعض و لا يقبل بذلك على بعضهم ثم يقطع القول [٢] عن الآخرين فلا يتقدم فى ذلك إليهم و لا أن ينفرد بواحد منهم بذلك دون أحد بل ينبغى له أن يعمهم بالقول بذلك أجمعين لأن ذلك هو آكد و أبلغ فى الوصية لهم و الأخذ عليهم.
و يتلو ذلك قول باقر العلم محمد بن على بن الحسين صلى اللّه عليه و سلم أنه قال رب البيت يتوضأ آخر القوم تأويله أن البيت مثل الدعوة و ربها الداعى فإذا أخذ على جماعة من يدعوهم فى كتمان ما سمعوه وطيه عن غير مستحقه فينبغى أن يأخذ أيضا نفسه بذلك و ليس فى هذا توقيت- فى الظاهر و لا فى الباطن و لا يجزى غيره فقد يكون رب البيت فى الظاهر إذا كان مع أهل بيته و مع من دونه فى المنزلة يتوضأ قبلهم و يكون إذا حضره من يعز عليه و يكرم نزله و يرعى حقه يقدمه
[١] سورة مريم: ١١.
[٢] الكلام (فى ح).