تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١١٧
معه بستة أشياء القارورة و المقصين و المكحلة و المرآة و المشط و السواك فسفر النبي صلى اللّه عليه و سلم لم يكن إلا مع أصحابه أهل دعوته و كان يخرج بأهله و ليس ذلك كسفر المسافر الواحد الّذي ينزع عن أهله و يتفرد بنفسه الّذي مثله مثل الضارب فى الأرض المهاجر لطلب العلم لقول اللّه: «أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا» [١] و سيأتى ذكر معنى السفر فى موضعه فمثل سفر النبي صلى اللّه عليه و سلم بأهله و أصحابه مثل إفادتهم فى الباطن العلم و الحكمة و سفرهم معه طلبهم لذلك منه، و مثل القارورة مثل ما وعاه من العلم و الحكمة ليفيدهم، و الطيب مثله مثل العلم الروحانى الّذي يحرم على المحرم حتى يحل من إحرامه و يبلغ حد المحلّين و كونه فى القوارير ما أشبهها فى ستره و صيانته عن غير أهله كما لا يخص الإنسان بالطيب إلا خاصته و من يريد إكرامه، و مثل المقصين مثل ما يزال به من العلم ما يخرج عن حد الباطن و لم يطابقه كما يؤخذ بالمقصين كذلك ما زاد من شعر الشارب على باطن الشفة و نزل من الشعر على الجبهة و زاد على حد الواحد فكان يعد صلى اللّه عليه و سلم عند إفادة المستفيدين منه لأهل كل طبقة ما يجب لهم من العلم و الحكمة، و المكحلة هى خزانة الكحل و مثله فى الباطن من العلم مثل ما يجلو الشك عن بصائر المستجيبين كما يجلو الكحل فى الظاهر ما يعشى أبصار الناظرين، و المرآة مثلها مثل المستجيب بتوفيقه على ما هو عليه و أن يرى ذلك كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم المؤمن مرآة المؤمن يعنى أنه ينصح له و يريه عيوبه ليصلحها و مثل المشط مثل العلم الّذي يقام به الظاهر لأن الشعر مثله مثل الظاهر، و السواك كما ذكرنا افتقاد الحدود بالعلم فهذه الستة التى جاء أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كان يسافر بها مثلها فى الباطن ما ذكرنا من حدود الحكمة ما يفيده أهل كل حد من المستجيبين له على مراتبهم و يفاتح أهل كل طبقة منهم بما ينبغى أن يفاتحهم به من العلم و الحكمة و يصلح من الجميع ما يحتاج إلى الإصلاح بذلك، فلذلك كان يحمل معه فى السفر الظاهر هذه الستة الأشياء الظاهرة لإصلاح ما يحتاج إليه من ظاهر بدنه و لأن ذلك يدل على باطنه.
و أمّا ما جاء فى الدعائم من قوله صلى اللّه عليه و سلم السواك مطيبة للفم و مرضاة للرب و ما أتانى جبريل إلا و أوصانى بالسواك حتى خفت أن أخفى مقادم [٢] فى من
[١] سورة النساء: ٩٧.
[٢] يعنى أسنانه.