تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١١٢
و أمّا ما جاء أنهم رخصوا فيه من نجو كل ما يؤكل لحمه و بوله و طهارة ذلك ما لم يكن ذلك الحيوان يأكل النجاسات فإن أكلها كان نجوه و بوله نجسا فمثل ذلك أن أمثال ما يؤكل لحمه من الحيوان أمثال المؤمنين و النجو و البول فإنهما فضول الطعام و الشراب الباقية بعد صفوهما و جوهرهما الّذي تغتذى به الأبدان فإن مثل الغذاء الّذي هو الطعام و الشراب مثل العلم و الحكمة اللذين هما غذاء الأرواح كما أن الطعام و الشراب غذاء الأبدان فإذا كان المؤمن قد أفاد علما و حكمة عن حقيقته و انتفع بصفوهما لم يكن كدر ذلك و ما التبس منه عليه يفسد ظاهر غيره إذا أصابه و لا يحل لغيره و لا ينبغى استعماله و إن لم يكن نجسا كما لا يحل و لا ينبغى أكل روث ما يؤكل لحمه و لا شرب بوله و لا استعماله إلا من أجل علة التداوى به و كذلك مرخص فى ذلك فى الباطن أن يستشفى بمثل ذلك و يتعالج به من اضطر إليه و إن كان من صار إلى دعوة الإيمان قد تعلم علما من علم أهل الباطل كان ما أصاب منه [١] ظاهر غيره أو باطنه نجسا كما يكون نجوا لجلالات من البهائم و بولها و لحمها و لبنها و بيض الطير منها حراما نجسا و هى التى تأكل العذرة و الأنجاس حتى تعزل عن ذلك و تحبس على العلف الطاهر. و سنذكر القول فى ذلك بتمامه عند ذكر الأطعمة إن شاء اللّه تعالى.
و أمّا ما رخصوا فيه من طين المطر ما لم تغلب عليه النجاسة و التغير، فالطين ماء و تراب و مثل الماء مثل العلم و مثل التراب مثل المؤمنين، و لذلك قيل لعلى صلى اللّه عليه و سلم أبو تراب لأنه أب للمؤمنين بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فالماء إذا خالطه التراب كان طينا و كذلك العلم إذا خالط المؤمنين كان ذلك مثله و منه قول اللّه تعالى: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ مِنْ سُلٰالَةٍ مِنْ طِينٍ» [٢]، يعنى خلق الدين و كذلك أيضا خلقه فى الظاهر إنما يكون عن الغذاء من النبات الّذي يغتذى بالماء و التراب فالعلم المخالط للمؤمنين الّذي فيه يتفاوضون ما لم يغيره علم أهل الباطل فهو طاهر و إن خالطه فغيره علم الباطل فهو مثل الطين الّذي قيل ذلك فيه فإن غلب عليه التراب و استهلك ما فيه من النجاسة طهر أعنى الطين المتغير بالنجاسة و لذلك قالوا الأرض يطهر بعضها بعضا.
[١] من (فى ع).
[٢] سورة المؤمنون: ١٢.