مجموعه رسائل فلسفى صدر المتالهين - ملا صدرا - الصفحة ٨٨
تكن في أوّل التكوّن صورة عقلية لشيء من الاشياء، اذ من المحال عندنا ان يحصل من اجتماع صورة عقلية و مادة طبيعية جسمانية نوع واحد جسمانى- كالانسان- بلا توسط استكمالات و استحالات لتلك المادة؛ فان ذلك عندى من أمحل المحالات؛ اذ نسبة المادة الى الصورة القريبة منها نسبة القوة الى الفعل، و نسبة النقص الى التمام؛ و نسبة الصور إليها نسبة الفصل المحصّل للجنس.
فالنفس في مبادي الفطرة كانت [١] صورة شيء واحد من موجودات هذا العالم الجسمانى، الّا ان في قوتها السلوك الى عالم الملكوت على التدريج. و سبب هذا السلوك ضعف نشأتها الحسية، فانها في حيوانيتها أضعف الحيوانات، كما ان الحيوان يكون قوتها النباتية أضعف مما في سائر النباتات، و كذا النبات أضعف من الجمادات في قوتها الطبيعية الحافظة للتركيب الجامعة للاسطقسات، و كذا الطبائع العنصرية الموجودة في المعادن أضعف كيفية و أنقص صورة مما في البسائط المفردة، و ذلك لان شأن المتحرك من مرتبة الى مرتبة ان يكون حاله في حدود حركته بين صرافة القوة و محوضة الفعل ليمكن له الانتقال من حال الى حال، كما نرى في سائر الحركات و التغيرات. و لأجل هذا الضعف و القصور في حيوانية الانسان- كما قال اللّه تعالى: وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [٢]- أمكن له أن يتخطّى من هذا العالم الى عالم الملكوت الأعلى.
فالنفس الانسانية جسمانية الحدوث، روحانية البقاء؛ فهى أوّلا صورة طبيعية لمادة حسّية و في قوتها قبول الصورة العقلية التى تحصّلها عقلا بالفعل و تتّحد بها اتحادا عقليا؛ و لا منافاة بين تلك الفعلية [٣] الحسّية و بين هذا القبول الاستكمالى العقلى سيّما و قد تحولت في استكمالاتها و نالت في انتقالاتها جميع الحدود الطبيعية من الأكثف فالأكثف الى الألطف فالألطف، حتى وصلت الى أوّل درجة
[١] - م: لو كانت.
[٢] - النساء، ٢٨.
[٣] - الف، ل، ز: العقلية.