مجموعه رسائل فلسفى صدر المتالهين - ملا صدرا - الصفحة ١٤٩
عبثا، فغاية العرض ليس الّا الحمل، و جلّ جناب الالهى عن ان يقع فعل من افعاله عبثا بلا غاية. فآدم عليه السّلام انّما ظلم نفسه بحمل الامانة تاركا لحظوظ نفسه مراعيا لحقوق الحق لئلّا يقع عرض الامانة من اللّه عبثا، و ابى المخلوقات ان يحملنها لحظوظ انفسهم، فلا جرم قدّم اللّه [١] على الملائكة و امرهم بسجوده لظلمه على نفسه ايثارا لربّه.
و امّا جهله بنفسه فلأنه يحسب انّ نفسه هذه القوة البهيمية التى تشرب و تأكل و تنكح، و ما علم ان هذه الصورة الحيوانية هى قشرة، و لها لبّ هو روحها، و له لبّ هو محبوب الحق كما قال: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ [٢]. فمن احب غير اللّه جهل نفسه و سفه و رغب عن ملّة ابراهيم عليه السّلام و هى مقام الخلّة، و من عبر عن قشره و وصل الى لبّه الّذي هو محبّ الحقّ و محبوبه [٣] فقد عرف نفسه، و من عرف نفسه فقد عرف ربّه بعرفان لا يشرك [٤] معه.
فعلم مما ذكر ان سبب ارتقاء الانسان من طور الى طور هو اشتماله على جهتى موت و حياة، و ضعف و قوة، و نقص و كمال، و بقاء و زوال، و له روح حيوانى فان، و روح ملكى باق، فباحدهما [الف- ١١] يقبل الموت و الفناء، و بالآخر يقبل الحياة و البقاء. و ليس لغيره هذه الخاصية، اذ الحيوانات اللحمية حيّة بروح فانية، و الملائكة حيّة بروح باقية، قال اللّه تعالى: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ، ثُمَّ جَعَلَ [مِنْ] بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً [٥]. فالضعف اصله، ثم جعل له قوة عارضة، ثم ردّه الى اصله من الضعف و هو الشيبة، فهذا الضعف الاخير انما اعدّه لاقامة النشأة الاخيرة كما قامت النشأة الاولى على الضعف الاول: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ، [٦] اى النشأة الثانية، و قد ذكرها المولوى المعنوى في «المثنوى»:
[١] - قدّمه اللّه- ظ
[٢] - المائدة، ٥٤.
[٣] - م:- فمن أحبّ ... محبوبه.
[٤] - لا شرك معه.
[٥] - الروم، ٥٤. و «من» ساقط من النسخ.
[٦] - الواقعة، ٦٢.