مجموعه رسائل فلسفى صدر المتالهين - ملا صدرا - الصفحة ٤٣٩
من كل الوجوه انما يكون صفة للواجب، فثبت ان مفيض الوجود ليس الّا الواجب.
فان قيل: لم لا يجوز ان يكون الممكن بعد اكتساب الفعلية من الواجب يفيض الوجود على ممكن آخر؟ قلنا: ان العقل يحلل الممكن الموجود الى ما بالقوة و الى ما بالفعل، ثم نقول: ان ما بالقوة لا دخل له في اخراج الشيء من القوة الى الفعل، فيطرحه خلف قاف؛ ثم ينظر الى ما بالفعل فيحلله أيضا ان كان مشوبا بالقوة الى ان ينتهى الى ما بالفعل المحض، و ليس هذا الّا الواجب، فثبت ان خالق شيء من الاشياء لا يكون الّا الواجب. و قد اثبتنا انه ليس في الوجود واجب غيره تعالى، فثبت ان خالق الاشياء كلها هو اللّه تعالى.
و اذا ثبت انه خالق للعالم ثبت انه عالم بذاته و بجميع الاشياء معقولها و محسوسها، كلّيها و جزئيها، لانه تعالى لمّا كان مبدءا لجميع الموجودات التى منها العلماء بذواتها كان عالما بذاته بالضرورة، لان الفاعل يجب ان يكون اكمل و اشرف من اثره. فاذا ثبت انه عالم بذاته ثبت انه عالم بكل الاشياء أيضا، لانه مبدأ و علة لها، و العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول. و لما ثبت انه خالق الاشياء و عالم بها وجب ان يكون قادرا مختارا لان التأثير بالايجاب انما هو فعل الطبائع العديمة الشعور.
و أيضا لمّا كان مبدءا لجميع الاشياء التى منها القادرون وجب ان يكون قادرا لوجوب كون الفاعل اشرف من اثره كما ذكرنا في العلم. و اذا ثبت قدرته و اختياره ثبت انه مريد، فان فعل القادر المختار مسبوق بالقصد و الإرادة. و ثبت أيضا كونه حيا، لان الحى هو الّذي يصح ان يعلم و يقدر، و قد اثبتنا انه عالم و قادر و ثبت أيضا كونه قيّوما، لان معناه القائم بذاته المقوم لغيره؛ و قد اثبتنا انه واجب لذاته، فهو قائم بذاته، و انه مبدأ للاشياء فكان مقوما لها. و ثبت أيضا: انه تعالى متكلم فان معنى تكلّمه القاء الدال على المعنى المراد الى الغير، و مناطه ليس الّا العلم و القدرة، و قد اثبتناهما. و لما ثبت انه موجد الاشياء و خالقها ثبت انه رحمان رحيم، جواد كريم، الى غير ذلك من الاسماء التى تدل على جوده و فيضه و انعامه و احسانه أوّلا. [الف- ١٠]