مجموعه رسائل فلسفى صدر المتالهين - ملا صدرا - الصفحة ٣٧٤
و التحقيق في هذا المقام: أن الموجودات بعضها طبيعى و بعضها تعليمى و بعضها عقلى؛ و كذا الافعال. فالفعل الطبيعى لا يكون الّا من فاعل طبيعى و هو الّذي بحسب استحالته و تجدّده في مادة منفعلة متحركة. و اما التعليمى فلا مدخل فيه للحركة و الانفعال التجددى و المادة المنفعلة، انما المحتاج إليه في ذلك الفعل مجرد الكميّة و الوضع اللازم لها دون حركة، و الفعال للمؤثر و المتأثر بحسبه. و امّا الفعل العقلى فلا حاجة فيه الى غير الفاعل و ماهية القابل ان كان.
مثال الفعل الطبيعى كالتحريكات من التسخين و التبريد و التسويد و التبييض و التنمية و التغذية [الف- ٢] و امثالها. و مثال الفعل التعليمى كالانارة و الاضاءة و العكس و المحاذاة و المساواة و التربيع و التكعيب و سائر الامور التى لا تحصل الّا دفعة لا على التدريج مع كمية ما و مقدار ما. و مثال الفعل الالهى مطلق الايجاد و الافاضة و الابداع و الجود و الرحمة.
اذا تقرر هذا فنقول: كلّ فعل طبيعى يصدر عن فاعله القريب فهو لا يكون الّا بالملاقاة بين فاعله و منفعله، فهو امّا ان يقع منه في قابله او فيما هو بمنزلة قابله من جهة الاتصال به او الامتزاج. الا ترى ان انفعال مشاعر الانسان بعضها طبيعى كاللمس و الذوق فلا يحصلان الّا باتصال الملموس و امتزاج المطعوم، و بعضها غير طبيعى كالبصر و السمع فلا حاجة فيهما الى اللقاء بل وضع آخر. و بعضها غير طبيعى و لا تعليمى كالعقل و الوهم فلا حاجة فيهما الى الوضع مطلقا؟
و السر في ذلك ان الفاعل الطبيعى بما هو فاعل طبيعى منغمر في المادة كل الانغمار، و وجوده في نفسه [هو] بعينه وجوده في مادته على نحو الاستغراق و السريان بحيث يكون في كل جزء من المادة جزء منه، كالصورة النارية او الارضية لا كالصورة الفلكية او الحيوانية؛ فلو سخّنت الحرارة الفاشية في النار جسما آخر من غير حاجة الى ملاقاة و تماس اياه حتى يصيّر الجسمين كجسم واحد بالاتصال، يلزم ان يكون وجودها في نفسها أيضا غير مفتقر الى لقاء محله؛ و اللازم باطل و كذا