مجموعه رسائل فلسفى صدر المتالهين - ملا صدرا - الصفحة ٥٦
مناظرات واسعة، فاخذت الحكماء و العرفاء الاسلاميون فى تحقيقه و رفع قواعده العليا. فثلّة منهم من وقف نفسه لتوجيه الأسس العرفانية، و قد عنوا بتشريح مسائل الفلسفة عن منظر الشهود و العرفان؛ فحرىّ بنا أن نخصّ بالذكر من بينهم الشيخ العارف السيد حيدر الآملى الفيلسوف الكبير مصنّف «جامع الاسرار» و ... و صائن الدين على بن محمد تركة مصنّف «تمهيد القواعد».
و على كل و بمرور الأيّام، ففى القرن الحادى عشر، اذ طلع شمس سماء الحكمة: الأمير محمد باقر الأسترآبادي المشتهر ب «ميرداماد» قد اخذت الفلسفة الالهية تطوّرا تامّا، و أسّست اسس الحكمة المتعالية، و على بذل جهده قد تصدّى و باشر أصحابه و تلامذته لتحرير رسائل و مؤلّفات عديدة حول هذه الحكمة العليا، و يمكننا أوّلا أن نشير من بينهم الى صدر المتألّهين و العلامة الملا شمسا الجيلانى- مؤلّف «الحكمة المتعالية»- و السيد الأمير أحمد العلوي- مؤلّف «العروة الوثقى فى شرح إلهيات الشفاء»- القلل الفاخرة و الدعائم الرفيعة لما نحن بصدده؛ و ثانيا بأنّه ما وصل أحدهم الى مبانى تلك الحكمة و اسسها الراسخة الّا فيلسوفنا الكبير صدر المتألّهين، فانّه قد فتح تحقيقا و باشرها و وقف نفسه على هذه، فأحرز تلك الاسس و القواعد و حصل عليها- رحمة اللّه عليه.
و قد كتبوا حول سوانح حياته و مؤلّفاته كتبا كثيرة، و قد خصّصوا بها مصنّفات جيّدة، و معها أنّ كلّ ما كتبوها لا يروى الغليل و لا يشفى العليل، و أيضا لا يخلو عن نواقص كثيرة، و كتابنا هذا- الذي يحتوى على عدّة رسائله غير المنتشرة و الغير المعروفة- قد بذل فيه جهد و تفتيش و تفحّص زائد عنّا حول رسائله، و الرجاء أن يصل محلّ القبول عند أهل النظر. فعلينا الآن- و قبل كل ما نريد أن نبيّنه- ان نشير الى حياته الطيّبة، تلك الحياة التى اشربت شجرة الحكمة الالهية بغزير عينها و معين مائها.
لمحة من حياته
هو محمّد بن ابراهيم بن يحيى القواميّ المشتهر بصدر الدين الشيرازى، و الملقّب بصدر المتألهين أو ملا صدرا، ولد في سنة ٩٧٩ أو ٩٨٠ ه ق- على ما اشار إليه فى كتبه- بشيراز من بلاد فارس في عيشة ملّى، فتعلّم مبانى العلوم و اسسها و هو فى ريعان شبابه و حداثة سنّه، و لا طريق لنا الى العلم بمعاشه الفرديّة الّا نكت و اشارات قد جاء بها فى مطاوى كتبه و أسفاره؛ ففى زمن حكومة سلطان الصفوى، ملك عباس، ذهب الى اصبهان لتحصيل العلم، فقرأ عند العلماء