مجموعه رسائل فلسفى صدر المتالهين - ملا صدرا - الصفحة ٤١١
عن الجدل، كما روى انه عليه السّلام خرج على اصحابه فرآهم يتكلمون في القدر، فغضب حتى احمرّت وجنتاه و قال: إنّما هلك من كان قبلكم بخوضهم في هذا، عزمت عليكم أن لا تخوضوا فيه أبدا [١]. لان النظر غير الجدل [٢]. سلّمنا لكن لا نسلّم كون الجدل منهيا عنه مطلقا، اذا النهى انما ورد في الجدل الباطل المشتمل على الشبهات الفاسدة و المقدمات الكاذبة المدلّسة لترويج الآراء الباطلة و دفع العقائد الحقّة، كما قال تعالى:
وَ جادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ [٣]، و قال: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [٤].
اما الجدل بالحقّ فليس منهيا عنه قطعا، بل هو مأمور به، لقوله تعالى: وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [٥]، و قوله تعالى: وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [٦]. و قد جادل عليه السّلام لابن الزبعرى [٧] كما روى انه لمّا نزل قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [٨]، قال عبد اللّه بن الزبعرى: قد عبدت الملائكة و المسيح أ فتراهم يعذّبون؟ فقال عليه السّلام: ما أجهلك بلغة قومك! أ ما علمت أنّ ما لما لا يعقل؟!
و جادل على عليه السّلام قدريا قال: انى املك حركاتى و سكناتى و طلاق زوجتى و عتق أمتى، فقال عليه السّلام: أ تملكها دون اللّه أو مع اللّه؟ فإن قلت: أملكها دون اللّه، فقد
[١] - «السنن» للترمذى، ج ٣، ص ٣٠٠.
[٢] - لان النظر هو التفكر في حقايق الاشياء لمعرفة ما هو الحق منها، و الجدل هو البحث و المناظرة لغلبة الخصم. (منه ره)
[٣] - غافر، ٥.
[٤] - الحج، ٣.
[٥] - النحل، ١٢٥.
[٦] - العنكبوت، ٤٦.
[٧] - فى «مجمع البيان» ج ٧، ص ٦٤: «و لما نزلت هذه الآية أتى عبد اللّه بن الزبعرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا محمد، أ لست تزعم أن عزيرا رجل صالح، و أنّ عيسى عليه السّلام رجل صالح، و أن مريم امرأة صالحة؟ قال: بلى، قال: فانّ هؤلاء يعبدون من دون اللّه فهم في النار».؟ و جاء أيضا بعبارات مختلفة، راجع «الدّرّ المنثور» ج ٤، ص ٣٣٩ و «نور الثقلين» ج ٣، ص ٤٥٩.
[٨] - الأنبياء، ٩٨.