مجموعه رسائل فلسفى صدر المتالهين - ملا صدرا - الصفحة ٢٥٥
و إذ لا نجاة للشخص من نفسه و ذاته، فكيف من لوازمه و حالاته؟ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [١]. و اى عذاب اشدّ من ان يكون الشخص متعذبا [٢] من نفسه، فكيف معاقبا بمعصية هى ذاته و وجوده؟! «وجودك ذنب لا يقاس به ذنب». فلا جرم يكونون ابدا في الجحيم بين امور متضادة كالسموم و الزمهرير، يترددون في الهاوية بين طرفى التضاد، فان الهاوية من سنخ هذه الدار، كما اشير إليه، يبرز يوم القيامة عند كشف الغطاء: وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى [٣]. فمن كان فيها فهو متعذب تارة بأحد الضدين و تارة بالآخر: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَ مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [٤]. و انّهم لمّا كانوا أوّل الامر في الدنيا خارجين عن قيد الشرع و عقال العقول، مسترحين [٥] فى ارض الشهوات، خالعين عذار العقل و زمام الشرع، فلا جرم يقيّدون فى الآخرة بالسلاسل و الاغلال، يعذّبون بفنون العذاب و النكال، يحتجبون [٦] بانواع الحجب: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها [٧]. و اما الابرار فلهم الارتقاء من كمال الى كمال، لهم من فوقهم غرف و من تحتهم، و هم المتخلصون المتنزهون من عذاب اهل التضاد، لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ [٨].
و هاهنا دقيقة لاهل الاعتبار، و هى ان السعداء حيث كانوا في الدنيا مجبورين على طاعة الحق و امتثال اوامر الله و رسوله: ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [٩]، فلا جرم تكون لهم الخيرة في الآخرة مطلقا:
لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ [١٠]. فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ [١١].
و حال الاشقياء بالعكس من ذلك كما مرّ، حيث كانوا في الدنيا متمردين عن طاعة اللّه، مستبدين [١٢] برأيهم، غير مقيّدين بقيود شرعية و لا عقلية. و في الآخرة
[١] - النساء، ٥٦.
[٢] - م: معذّبا.
[٣] - النازعات، ٣٦.
[٤] - الزمر، ١٦.
[٥] - مسرّحين- ظ.
[٦] - م: محتجبون.
[٧] - السجدة، ٢٠.
[٨] - يونس، ٦٢.
[٩] - الاحزاب، ٣٦.
[١٠] - الفرقان، ١٦.
[١١] - الزخرف، ٧١. و في النسخ: تشتهى.
[١٢] - م: مستندين.