مجموعه رسائل فلسفى صدر المتالهين - ملا صدرا - الصفحة ٢٤٩
ما يكون سبب عقوبتهم و آلامهم دائما ابدا الّا ما شاء اللّه، كما قال سبحانه في قصة ابن نوح: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [١]. و في الخبر: خلق الكافر من ذنب المؤمن. و يؤيّد هذا كلام فيثاغورس الحكيم: انه سيعرض لك في اقوالك و افعالك و سيظهر لك في كل حركة قولية او فكرية او فعلية [صور روحانية و جسمانية] الى آخره. و نظائره كثيرة في الاحاديث و الاخبار و الآثار، و منشأ ذلك كما نبّهنا لك مرارا ان من [٢] كيفية تجسم الاعمال و الاخلاق في الآخرة ليست من جنس هذه الدار، بل هذه دار الشهادة و هى دار الغيب، و هذه هى الماهية الجاهلية و هى الجنّة العالية، وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [٣].
و ذلك لان مواد الاشخاص الاخروية هى التصورات الباطنية و التأملات القلبية كما يظهر من كلام فيثاغورس و غيره من الاخبار و الاحاديث، كحديث: إنّ الجنّة قاع صفصف، و إنّ غراسها سبحان اللّه [٤]. فالانسان اذا انقطع عن الدنيا و انكشف عنه الغطاء و تجرد عن مشاعر هذا العالم، كانت رؤيته الباطنية ناهضة، و كان الغيب بالقياس إليه شهادة: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [٥].
و للتنبيه على ان الحياة الدنيا و استعمال هذه الحواس مانعة عن الوصول الى الحياة الاخروية و استعمال المشاعر الباطنية و ان الانسان ما لم يمت عن هذه الحياة لم يحى بحياة الآخرة قال سبحانه: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً [فَأَحْيَيْناهُ] وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [٦] فقد غلبته [٧] سلطان الآخرة على باطن الانسان ينقلب العلم في حقّه عينا، و الغيب شهادة، و السر علانية، و يرى الاشياء كما هى. فكل احد [الف- ٤] من الناس يكون بعد كشف غطائه و رفع حجابه و مدّ بصره مبصرا لنتائج اعماله، مشاهدا لآثار افعاله، قارئا لصفحة كتابه، مطلقا [٨] على
[١] - هود، ٤٦.
[٢] - من ان- ظ.
[٣] - العنكبوت، ٦٤.
[٤] - راجع «سنن الترمذي» ج ٥، ص ٥١٠.
[٥] - ق، ٢٢.
[٦] - الانعام، ١٢٢. و في النسخ: ميتا فجعلنا ...
[٧] - كذا، و الصحيح: فعند غلبة.
[٨] - مطّلعا- ظ.