مستعذب الإخبار بأطيب الأخبار - الفاسي، أبو مدين - الصفحة ٣١٠ - حجة الوداع
و لم يحج غيرها، و ذكر أنه حج ب «مكة [١]» مرة أخرى.
- «حجة الوداع؛ لإشعاره بكراهة المودع، و أسفه على من ودعه؛ و ذلك لا يليق به (صلى اللّه عليه و سلّم)، و لم يكرهه غيره؛ بل أطلقوا ذلك عليها؛ فقالت «عائشة»- (رضي الله عنها)- خرجنا في حجة الوداع».
و قال ابن عمر: «أمر (صلى اللّه عليه و سلّم) أزواجه عام حجة الوداع». و قال «سعد بن أبي وقاص»: «دعاني (صلى اللّه عليه و سلّم) في حجة الوداع» و قال أبو أيوب: «أنه (صلى اللّه عليه و سلّم) في حجة الوداع صلى المغرب و العشاء جمعا».
و قال جرير: «أنه (صلى اللّه عليه و سلّم) قال له في حجة الوداع: «استنصت الناس» و كلها في الصحيح؛ بل فيه أيضا، عن ابن عباس نفسه: «أن امرأة استفتت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) في حجة الوداع؛ فكأنه رجع عن الكراهة؛ لأنه لا يلزم من الوصية بتلك الوصايا، و الحث عليها المشعر بأنهم لا يجدون من يذكرهم بها بعده أسفه على مفارقتهم». اه: المواهب و شرحها.
[١] حول قوله: «... حج بمكة مرة أخرى».
قال الزرقاني في «شرح المواهب» ٣/ ١٠٥- ١٠٦: «قال الحافظ: غرض أبي إسحاق أن لقوله: بعد ما هاجر مفهوما، و أنه قبله حج؛ لكن قوله: أخرى يوهم أنه لم يحج قبل الهجرة، و هو بمكة إلا واحدة، و ليس كذلك؛ بل حج قبلها مرارا؛ بل الذي لا ارتياب فيه أنه لم يترك الحج، و هو بمكة قط؛ لأن قريشا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج، و إنما يتأخر من لم يكن بمكة، أو عاقه ضعف، و إذا كانوا و هم على غير دين يحرصون على إقامة الحج، و يرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب؛ فكيف يظن به (صلى اللّه عليه و سلّم) أنه يتركه، و قد ثبت حديث «جبير بن مطعم» أنه رأه- (عليه السلام)- في الجاهلية واقفا بعرفة؛ و أنه من توفيق الله له. و ثبت دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام ب «منى» ثلاث سنين متوالية ... فلا يقبل نفي ابن سعد أنه لم يحج بعد النبوة إلا حجة الوداع؛ لأن المثبت تقدم على النافي، خصوصا و قد صحبه دليل إثبات، و لم يصب النافي دليل نفيه. و قيل حج بمكة حجتين قبل الهجرة، و حجة بعدها أخرجه الترمذي- الحج رقم: ٧٤٣-:
عن جابر بن عبد الله. و قال ابن عباس:- (رضي الله عنه)-: «حج- (صلى اللّه عليه و سلّم)- قبل أن يهاجر ثلاث حجج أخرجه ابن ماجة- المناسك رقم: ٣٠٦٧- و الحاكم.
قال الحافظ: و هو مبني على عدد وفود الأنصار إلى العقبة ب «منى» بعد الحج؛ فإنهم قدموا أولا فتواعدوا ثم ثانيا فبايعوا الأولى، ثم ثالثا فبايعوا الثانية، و هذا لا يقتضي نفي الحج قبل ذلك، فهذا بعد النبوة، و قبلها لا يعلمه إلا الله- أي: عدد حجه-.
و قد أخرج الحاكم بسند صحيح إلى الثوري؛ أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) حج قبل أن يهاجر حججا.
و قال ابن الجوزي: حج حججا لا يعرف عددها» ... اه: المواهب اللدنية مع شرحها بتصرف.
و انظر: صحيح ابن خزيمة ٤/ ٣٥٢ رقم: ٣٠٥٦.
و انظر: جامع الترمذي ٣/ ١٧٨ رقم: ٨١٥.
و انظر: فتح الباري لابن حجر ٨/ ١٠٤.