مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢١ - مقدمة
و لو قد استحضرت دار الكتب مخطوطات الأغاني لما خرج الكتاب ناقصا و لاستمتعنا بأخبار هؤلاء الطالبيين الذين لم يذكرهم أبو الفرج في مقاتل الطالبيين.
و قد أتى أبو الفرج بروايات مدخولة، و أحاديث موضوعة لم يعقب عليها و لكنه أمر نقده على بعضها، كما فعل حين روى عن الضحاك قتل عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب لمحمد بن جعفر بن أبي طالب فإنه قال في التعقيب عليها صفحة ٢٢:
«و هذه رواية الضحاك بن عثمان، و ما أعلم أحدا من أهل السيرة ذكر أن محمد ابن جعفر قتيل عبيد اللّه بن عمر، و لا سمعت لمحمد في كتاب أحد منهم ذكر مقتل» .
و كنت إذا ما رأيت أبا الفرج ينزع نزعة مسرحية نقلت من أقوال ثقاة المؤرخين ما يرجع الحق إلى نصابه، و يرد التاريخ إلى محرابه، كما صنعت في ترجمة عبد اللّه الأشتر صفحة ٣١٠-٣١٣.
و بعد فإن مقاتل الطالبيين كنز من كنوز الأدب و التاريخ ترجم فيه أبو الفرج لنيف و مائتين من شهداء الطالبين، فأحسن الترجمة و صوّر بطولتهم تصويرا أخاذا يختلب الألباب، و يمتلك المشاعر و ذكر فيه من خطبهم و رسائلهم و أشعارهم، و محاوراتهم، و ما قيل فيهم و بسببهم من روائع الشعر و النثر، ما لا تجده مجموعا في كتاب سواه، إلاّ أن يكون منقولا عنه، أو ملخصا منه، فهو خير كتاب أخرج للناس في تاريخ الطالبيين و أدبهم، يجد فيه العلماء طلبتهم، و الأدباء ضالتهم، و يجد فيه القاصون منهم مادة خصيبة لإنتاجهم الفني.
و هو من أنفس الكتب التي تغذو العقول و القلوب و الأرواح جميعا.