مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٤٤ - رجع الحديث إلى خبر أبي السرايا
إن قام قعدتم، و إن قعد قمتم، و إن تقدّم تأخّرتم، و إن تأخّر تقدمتم، خلافا عليه و عصيانا لأمره، حتى سبقت فيكم دعوته، و خذلكم اللّه بخذلانكم إيّاه، أيّ عذر لكم في الهرب عن عدوكم، و النكول عمّن لقيتم و قد عبّروا خندقكم؟و علوا قبائلكم؟ ينتهبون أموالكم و يستحيون حريمكم، هيهات لا عذر لكم إلاّ العجز و المهانة، و الرضا بالصغار و الذلة، إنما أنتم كفيء الظل، تهزمكم الطبول بأصواتها، و يملأ قلوبكم الحرق بسوادها، أما و اللّه لأستبدلن بكم قوما يعرفون اللّه حق معرفته، و يحفظون محمدا في عترته. ثم قال:
و مارست أقطار البلاد فلم أجد # لكم شبها فيما وطئت من الأرض
خلافا و جهلا و انتشار عزيمة # و وهنا و عجزا في الشدائد و الخفض
لقد سبقت فيكم إلى الحشر دعوة # فلا عنكم راض و لا فيكم مرضي
سأبعد داري من قلى عن دياركم # فذوقوا إذا ولّيت عاقبة البغض
فقامت إليه جماعة من أهل الكوفة فقالوا: ما أنصفتنا في قولك، ما أقدمت و أحجمنا، و لا كررت و فررنا، و لا وفيت و غدرنا، و لقد صبرنا تحت ركابك، و ثبتنا مع لوائك، حتى أفنتنا الوقائع، و اجتاحتنا [١] ، و ما بعد فعلنا غاية إلاّ الموت، فامدد يدك نبايعك على الموت، فو اللّه لا نرجع حتى يفتح اللّه علينا أو يقضي قضاءه فينا.
فأعرض عنهم، و نادى في الناس بالخروج لحفر الخندق، فخرجوا فحفروا و أبو السرايا يحفر معهم عامة النهار، فلما كان الليل خرج الناس من الخندق و أقام إلى الثلث الأول من الليل، ثم عبأ بغاله و أسرج خيله، و ارتحل هو و محمد بن محمد بن زيد، و نفر من العلويين و الأعراب، و قوم من أهل الكوفة، و ذلك في ليلة يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة مضت من المحرم [٢] فأقام بالقادسية ثلاثا حتى تتام أصحابه، ثم مضى على خفان و أسفل الفرات حتى صار على طريق البر.
و وثب بالكوفة أشعث بن عبد الرحمن الأشعثي فدعا إلى هرثمة.
و خرج أشراف أهل الكوفة إلى هرثمة فسألوه الأمان للناس فأجابهم إلى ذلك و تألفهم.
و دخل المنصور بن المهدي الكوفة، و أقام هرثمة خارجها، و فرق عسكره حوالي
[١] في ط و ق «و احناحينا» .
[٢] الطبري ١٠/٢٣٠.