مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٤٣ - رجع الحديث إلى خبر أبي السرايا
و انهزمت المسودة هزيمة قبيحة، و تبعهم أهل الكوفة يقتلونهم حتى بلغوا صعنبا فنادى أبو السرايا: يا أهل الكوفة أحذروا كرّهم بعد الفرّة، فإن العجم قوم دهاة، فلم يصغوا إلى قوله و تبعوهم.
و كان هرثمة قد أسر في ذلك الوقت، و لم يعلم أبو السرايا، أسره عبد سندي، و قبل ذلك خلّف في عسكره زهاء خمسة آلاف فارس يكونون ردءا له إن انهزم أصحابه، و خلّف عليهم عبيد اللّه بن الوضاح، فلما وقعت الهزيمة و نادى أبو السرايا: لا تتبعوهم، كشف عبيد اللّه بن الوضاح رأسه، و أصحابه يقولون: قتل الأمير، قتل الأمير فناداهم: فماذا يكون إذا قتل الأمير؟يا أهل خراسان إليّ أنا عبد اللّه بن الوضاح، اثبتوا، فو اللّه ما القوم إلاّ غوغاء و رعاع، فثابت إليه طائفة، و حمل على أهل الكوفة فقتل منهم مقتلة عظيمة، و تبعوهم حتى جاوزوا صعنبا، و وجدوا هرثمة أسيرا في يد عبد أسود، فقتلوا العبد، و حلّوا وثاق هرثمة، و عاد إلى معسكره و لم تزل الحرب مدة متراخية في كل يوم أو يومين تكون سجالا بينهم.
ثم إن أبا السرايا بعث علي بن محمد بن جعفر المعروف بالبصري في خيل، و أمره أن يأتي هرثمة من ورائه، فمضى لوجهه و لم يشعر هرثمة حتى قرب منه، و حمل أبو السرايا عليه فصاح هرثمة:
يا أهل الكوفة علام تسفكون دماءنا و دماءكم؟إن كان قتالكم إيّانا كراهية لإمامنا فهذا المنصور بن المهدي رضي لنا و لكم نبايعه، و إن أحببتم إخراج الأمر من ولد العباس فانصبوا إمامكم، و اتفقوا معنا ليوم الاثنين نتناظر فيه، و لا تقتلونا و أنفسكم.
فأمسك أهل الكوفة عن الحملة، و ناداهم أبو السرايا: و يحكم إن هذه حيلة من هؤلاء الأعاجم، و إنما أيقنوا بالهلاك فاحملوا عليهم، فامتنعوا و قالوا: لا يحل لنا قتالهم و قد أجابوا. فغضب أبو السرايا و انصرف معهم، و قد أراد قبل ذلك إجابة هرثمة و أن يمضي إليه مع محمد بن محمد بن زيد فيستأمن، ثم خشي الغدر به.
فلما كان يوم الجمعة خطب أهل الكوفة فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:
يا أهل الكوفة، يا قتلة علي، و يا خذلة الحسين، إن المعتز بكم لمغرور، و إن المعتمد على نصركم لمخذول، و إن الذليل لمن أعززتموه، و اللّه ما حمد عليّ أمركم فنحمده، و لا رضي مذهبكم فنرضى به، و لقد حكّمكم فحكمتم عليه، و ائتمنكم فخنتم أمانته و وثق بكم فحلتم عن ثقته، ثم لم تنفكوا عليه مختلفين، و لطاعته ناكثين،