انوار الأصول - ط مدرسة الامام اميرالمؤمنين - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤١
لم يفد العلم لكن التعليل بقوله تعالى[ : ( ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين]( دليل على ان الخبر الذى لايؤمن الوقوع فى الندم من العمل به ليس بحجة و لو كان المخبر عادلا ( لان العلة قد تعمم كما انها قد تخصص ) و حينئذ الترجيح مع ظهوره التعليل لكونه اقوى و آبيا عن التخصيص مضافا الى كونه منطوقا لا مفهوما .
و اجيب عنه بوجوه :
اولها : ان مقتضى التعليل ليس هو عدم جواز الاقدام على ما هو مخالف للواقع مطلقا لان المراد بالجهالة هنا السفاهة و فعل ما لا يجوز فعله , لا ما يقابل العلم , و لا شبهة فى انه لا سفاهة فى الركون الى خبر العدل و الاعتماد عليه .
ان قلت : يستلزم هذا كون اعتماد الصحابة على خبر الوليد الفاسق سفهيا و هوكما ترى .
قلنا : قد اجاب عن هذا المحقق النائينى ( ره ) بانه ربما يركن الشخص الى ما لاينبغى الركون اليه غفلة او لا عتقاده عدالة المخبر , و الاية هنا نزلت للتنبيه على غفلة الصحابة او لسلب اعتقادهم عن عدالة الوليد , اى ركون الصحابة الى خبر الوليد لم يكن من باب الاقدام على امر سفهى بل من جهة عدم علمهم بفسق الوليد .
اقول : الجهالة فى لغة العرب و ان كان قد تأتى بمعنى السفاهة ولكن الاصل فى معناها هو ضد العلم كما نطقت به كتب اللغة فحينئذ حمل الاية على المعنى الاول مشكل جدا , و يؤيد ما ذكرنا ملاحظة موارد استعمال هذه الكلمة فى القرآن الكريم .
ثانيها[ : ( انه على فرض ان يكون معنى الجهالة عدم العلم بمطابقة الخبر للواقع لايعارض عموم التعليل للمفهوم , بل المفهوم يكون حاكما و على العموم لانه يقتضى الغاء احتمال مخالفة خبر العادل للواقع و جعله محرزا له و كاشفا عنه , و كأنه يقول[ : ( نزل خبر العادل بمنزلة العلم]( فلا يشمله عموم التعليل لا لاجل تخصيصه بالمفهوم لكى يقال : انه يأبى عن التخصيص بل لحكومة المفهوم عليه]( . [١]
و يرد عليه : ان لسان الاية ليس لسان الدليل الحاكم و لا يسارق مفهومها قولك :
[١]راجع فوائد الاصول , ج ٣ , ص ١٧٢ .