انوار الأصول - ط مدرسة الامام اميرالمؤمنين - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٠
و نوع ثالث منها لا يدرك العقل الحسن او القبح فيها لا بالضرورة و لا بالتأمل و ذلك كما فى جزئيات الاحكام الشرعية فى ابواب العبادات و غيرها , و بعبارة اخرى , يحتاج العقل فى ادراكه للحسن او القبح فيها الى توسط من الشرع لانه يتوقف على درك المصلحة او المفسدة و عللها و هى امور خارجية لاطريق للعقلالى الحصول عليها الا من طريق الشرع , و هذا نظير ادراك العوام لمضار الادوية و منافعها فان ادراكهم لها جزئى صادق فى جملة من الادوية , و اما فى غيرها فيحتاجون الى نظر الطبيب .
و من هنا يظهر الجواب عن استدلال الاخباريين ببعض الروايات الدالة على قصور العقل فى ادراكه لمصالح الاحكام و مفاسدها كقوله ( ع[ ( ( ان دين الله لايصاببالعقول]( او قوله ( ع[ ( ( و ما ابعد عقول الرجال عن دين الله]( فان الظاهر هذه الروايات ناظرة الى الغالب و القسم الثالث من القضايا , و لا تدل على نفى الادراك مطلقا , كيف و الشارع بنفسه يستدل بالعقل فى كثير من الموارد و يخاطب الناس بقوله[ ( افلا تتفكرون]( او[ ( افلا تعقلون]( و بقوله[ ( يا اولى الالباب]( و[ ( هاتوا برهانكم]( و لذلك اعترف كثير من الاخباريين بادراك العقل للضروريات العقلية و اضطروا الى استثنائها من مقالتهم و قد مر تفصيل الجواب عنهم فى اثناء مباحث القطع و حجية القطع الحاصل من طريق العقل فراجع .
الامر الثالث : اذا اجتمع عنوانان او عناوين عديدة بعضها حسن و بعضها قبيح على شيى واحد كالدخول فى الارض المغصوبة [١] لانقاذ الغريق فانه قبيح من جهة انطباق عنوان الغصب عليه و حسن من جهة انطباق عنوان الانقاذ عليه فلا اشكال حينئذ فى ان الفعل تابع لاقوى الجهات بعد كسر و انكسار او يصير خاليا عن الحسن و القبح اذا كانت الجهات متساوية فلا يكون هو من باب اجتماع النقيضين ( كما
[١]و قد جاء التمثيل لهذا فى بعض الكلمات بقول القائل[ : ( سأكذب غدا]( فان كذبه غدا قبيح من باب قبح الكذب و حسن من باب الوفاء .
ولكن يرد عليه انه مغالطة واضحة فان وجوب الوفاء يختص بما اذا كان المتعلق راجحا .