انوار الأصول - ط مدرسة الامام اميرالمؤمنين - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٤
و لايحصل له التسليم القلبى و الانقياد الجناحى و بالعكس فيعلم كثيرا ما مثلا باهلية شخص للرياسة و المرجعية لكنه لاينقاد له قلبا و لايقربه باطنا لخباثة نفسه او لعدم كونه من قومه و قبيلته او لجهة اخرى , و ان كان فى مقام العمل يتحرك بحركته خوفا من سوطه و سطوته , و نحن نعتقد انه من هذا القبيل الكفر الجحودى فكثير من الكفار الذين نطق القرآن بكفرهم كانوا عالمين بحقانية القرآن و نبوة نبينا ( ص ) , و مع ذلك لم يكونوا منقادين , و لو كان ملاك الايمان الحقيقى نفس العلم لزم ان يكونوا مؤمنين به و ان يكون الشيطان او فرعون مثلا اظهر مصاديق المؤمن مع ان كفرهم مما لاينكره احد , و من هنا يكونالمراد من الجحود فى قوله تعالى[ ( و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم]( الجحد القلبى لاانهم جحدوا لفظا و عملا .
و العجب من تهذيب الاصول حيث انه مع ما ذهب اليه من عدم كون الالتزام القلبى اختياريا صرح فى ذيل كلامه بانفكاك العلم عن الايمان و قال[ : ( ان الايمان ليس مطلق العلم الذى يناله العقل و يعد حظا فريدا له]( و لم يبين انه كيف لايلزم من عدم كون العلم عين الايمان كون الالتزام و الانقياد اختياريا بل قال : [( و بما ان المقام لايسع طرح تلك الابحاث فليراجع من اراد التفصيل الى محاله]( . [١]
و كيف كان فان عدم كون الايمان و الالتزام القلبى اختياريا ينافى ظاهر كثير من الروايات و الايات كالتى تأمر بالايمان و تعلق الامر فيها بالتسليم القلبى كقوله تعالى[ ( يا ايها الذين آمنوا آمنوا بالله و رسوله]( و لو لم يكن الايمان و التسليم امرا اختياريا يكون هذا القبيل من الاوامر تكليفا بما لايطاق , و القول بانها محمولة على تحصيل مباديه و اسبابه تكلف لا وجه له .
فتلخص مما ذكرنا ان محل البحث انه اذا علمنا بوجود شىء فهل يتصور فعل قلبى وراء العلم او لا ؟ فان قبلنا وجود ذلك الفعل فيعقل ويتصور البحث عن وجوب الالتزام القلبى و عدمه والا فلا , و قلنا ان الوجدان حاكم على وجود امر آخر قلبى يسمى بالالتزام و التسليم القلبى و هو المستفاد من ظاهر الايات و الروايات , و من هنا
[١]تهذيب الاصول , ج ٢ , طبع جماعة المدرسين , ص ٤٩ .