الإعتصام بالكتاب و السنة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٢٤ - دليلها في القرآن و السنّة
٦ و قال جمال الدين القاسمي: و من هذه الآية:" إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً" استنبط الائمّة مشروعية التقية عند الخوف، و قد نقل الاجماع على جوازها عند ذلك الامام مرتضى اليماني في كتابه (ايثار الحق على الخلق)[١].
٧ و فسّر المراغي قوله تعالى:" إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً" بقوله: أي إنّ ترك موالاة المؤمنين للكافرين حتم لازم في كل حال إلّا في حال الخوف من شيء تتّقونه منهم، فلكم حينئذ أن تتّقوهم بقدر ما يُتّقى ذلك الشيء، إذ القاعدة الشرعية «انّ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح».
و إذا جازت موالاتهم لاتقاء الضرر فأولى أن تجوز لمنفعة المسلمين، و إذاً فلا مانع من أن تحالف دولة إسلامية دولة غير مسلمة لفائدة تعود إلى الاولى إمّا بدفع ضرر أو جلب منفعة، و ليس لها أن تواليها في شيء يضر المسلمين، و لا تختص هذه الموالاة بحال الضعف، بل هي جائزة في كل وقت.
و قد استنبط العلماء من هذه الآية جواز التقية بأن يقول الانسان أو يفعل ما يخالف الحق، لَاجل توقّي ضرر من الاعداء يعود إلى النفس، أو العرض، أو المال.
فمن نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك، و قلبه مطمئن بالإيمان، لا يكون كافراً بل يُعذر كما فعل عمّار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً و قلبه مليء بالإيمان و فيه نزلت الآية:
" مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ"[٢].
[١] . جمال الدين القاسمي: محاسن التأويل: ٨٢/ ٤.
[٢] . تفسير المراغي: ١٣٦/ ٣.