الإعتصام بالكتاب و السنة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٢٦ - دليلها في القرآن و السنّة
اتّقاء المسلم من المسلم في ظروف خاصة:
إنّ مورد الآيات و إن كان هو اتقاء المسلم من الكافر، و لكن المورد ليس بمخصّص لحكم الآية، إذ ليس الغرض من تشريع التقية عند الابتلاء بالكفار إلّا صيانة النفس و النفيس من الشر، فإذ ابتُلي المسلم بأخيه المسلم الذي يخالفه في بعض الفروع و لا يتردد الطرف القوي عن إيذاء الطرف الآخر، كأن ينكل به أو ينهب أمواله أو يقتله، ففي تلك الظروف الحرجة يحكم العقل السليم بصيانة النفس و النفيس عن طريق كتمان العقيدة و استعمال التقية، و لو كان هناك وزر فإنّما يتوجّه على من يُتقى منه لا على المتقي، فلو سادت الحرية جميع الفرق الاسلامية، و تحمّلت كل فرقة آراء الفرقة الاخرى لوقفت على أنّ الرأي الآخر هو نتيجة اجتهادها، و لما اضطرّ أحد من المسلمين إلى استخدام التقية، و لساد الوئام مكان النزاع.
و قد فهم ذلك لفيف من العلماء و صرّحوا به، و إليك نصوص بعضهم:
١ يقول الامام الرازي في تفسير قوله سبحانه:" إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً": ظاهر الآية يدل على أنّ التقية إنّما تحل مع الكفار الغالبين، إلّا أنّ مذهب الشافعي رضي اللّه عنه: أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين و الكافرين حلّت التقية محاماة عن النفس، و قال: التقية جائزة لصون النفس، و هل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله «صلى الله عليه و آله و سلم»: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، و قوله- صلى الله عليه و آله و سلم-: «من قتل دون ماله فهو شهيد»[١].
[١] . الرازي: مفاتيح الغيب: ١٣/ ٨ في تفسير الآية.