الإعتصام بالكتاب و السنة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣١٩ - دليلها في القرآن و السنّة
و المحن ما لا يمكن للعقول أن تحتملها و لا أن تتصورها، فإنّ الشيوعيّين طيلة تسلّطهم على المناطق الاسلامية قلبوا لهم ظهر المِجَنّ، فصادروا أموالهم و أراضيهم، و مساكنهم، و مساجدهم، و مدارسهم، و أحرقوا مكتباتهم، و قتلوا كثيراً منهم قتلًا ذريعاً و وحشياً، فلم ينج منهم إلّا من اتقاهم بشيء من التظاهر بالمرونة، و اخفاء المراسم الدينية، و العمل على اقامة الصلاة في البيوت إلى أن نجّاهم اللّه سبحانه بانحلال تلك القوة الكافرة، فبرز المسلمون إلى الساحة من جديد، فملكوا أرضهم و ديارهم، و أخذوا يستعيدون مجدهم و كرامتهم شيئاً فشيئاً، و ما هذا إلّا ثمرة من ثمار التقية المشروعة التي أباحها اللّه تعالى لعباده بفضله و كرمه سبحانه على المستضعفين.
فإذا كان هذا معنى التقية و مفهومها، و كانت هذه غايتها و هدفها، فهو أمر فطري يسوق الانسان إليه قبل كل شيء عقلُه و لبُّه، و تدعوه إليه فطرته، و لأَجل ذلك يستعملها كل من ابتُلي بالملوك و الساسة الذين لا يحترمون شيئاً سوى رأيهم و فكرتهم و مطامعهم و سلطتهم و لا يترددون عن التنكيل بكل من يعارضهم في ذلك، من غير فرق بين المسلم شيعياً كان أم سنيّاً و غيره، و من هنا تظهر جدوى التقية و عمق فائدتها.
و لأَجل دعم هذا الاصل الحيويّ ندرس دليله من القرآن و السنّة.
دليلها في القرآن و السنّة:
شرّعت التقية بنص القرآن الكريم حيث وردت جملة من الآيات الكريمة[١]. سنحاول استعراضها في الصفحات التالية:
[١] . غافر: الآية ٢٨ و ٤٥، و القصص: الآية ٢٠ و ستوافيك نصوص الآيات في ثنايا البحث.