أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٥٨ - تحليل مقدّمة أقوم المسالك
الظاهرة في خلاف ما أراد منها و ارتكاب الأقوال الضعيفة ليوافق الأهوية و الأغراض» [٥٢].
فالسياسة الشرعية التي يدعو إليها خير الدين ليست، كما يتبادر إلى ذهن المحافظين، التقليد الحرفي الأعمى للسلف الصالح فهي تعتبر أساسا مراعاة أحوال الوقت. و يورد خير الدين في هذا المقام فقرات من رسالة شيخ الإسلام الحنفي التونسي محمّد بيرم الأوّل [٥٣] تحدّد السياسة الشرعية تحديدا لو عمل به العلماء لما تردّوا في ما تردّوا فيه من تحجّر و جمود و انغلاق فهي: «ما يكون الناس معه أقرب إلى الإصلاح و أبعد عن الفساد و إن لم يضعه الرسول و لا نزل به الوحي .. و لابن قيّم الجوزية كلام حاصله: أنّ أمارات العدل إذ ظهرت بأي طريق كان فهناك شرع اللّه و دينه .. و نقل ابن قيّم الجوزية عن ابن عقيل مخاطبا لمن قال: لا سياسة إلّا ما نطق به الشرع، فغلط و تغليط للصحابة رضي اللّه عنهم» [٥٤].
و يعتقد خير الدين معتمدا في هذا على ابن قيّم الجوزية: «أن الولّاة خرجوا عن حدود اللّه إلى أنواع الظلم و البدع في السياسة لأنّ العلماء الذين يفتونهم بظواهر النصوص ضيّقوا ما وسّع اللّه» [٥٥] و ينتهي خير الدين الى هذا التقرير:
«و بناء على ما تقرّر يظهر أن اللائق بأولئك الهداة أن يتوسّطوا بين التفريط و الإفراط بحث لا يبعدون من رجال السياسة بعدا يتسبّب عنه تبعيد تصرّف الولاة عن الشريعة» [٥٦].
[٥٢] المصدر نفسه و الصفحة نفسها، أنظر أيضا ملام ابن أبي الضياف على العلماء، إتحاف،IV ، ص ٢٤٦ (تمنّع شيخ الإسلام بيرم الرابع من حضور مناقشة عهد الأمان) صص ٢٤٨- ٢٤٩ (استعفاء العلماء من الحضور في ندوات شرح قواعد عهد الأمان) و إتحاف،V ، ص ٣٨.
[٥٣] المقدّمة، طبعتنا، ص ١٥٤.
[٥٤] المصدر نفسه، و الصفحة نفسها.
[٥٥] المصدر نفسه، ص ١٧٨.
[٥٦] المصدر نفسه و الصفحة نفسها.