أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٥٠ - تحليل مقدّمة أقوم المسالك
ثمّ يورد حجّة تاريخية معتمدا على السلف الصالح: «و إذا جاز للسلف الصالح أخذ مثل المنطق من غير أهل ملّتهم و ترجمته من لغة اليونان لمّا رأوه من الآلات النافعة حتّى قال الغزالي: «من لا معرفة له بالمنطق لا يؤتمن بعلمه» فأيّ مانع لنا اليوم من أخذ بعض المعارف التي نرى أنفسنا محتاجين إليها غاية الاحتياج في دفع المكائد و جلب الفوائد؟» [٢٠].
و حيث إنّ القضيّة عنده هي التمدّن فهو يدعو المسلمين إلى تجاوز الحواجز الدينية الضيّقة، هو يدعوهم الى ما نسمّيه اليوم ب «التفتّح» و كلّ متمسّك بديانة و إن كان يرى غيره ضالّا في ديانته، فذلك لا يمنعه من الاقتداء به في ما يستحسن في نفسه من أعماله المتعلّقة بالمصالح الدنيوية كما تفعله الأمّة الإفرنجية. فإنّهم ما زالوا يقتدون بغيرهم في كلّ ما يرونه حسنا من أعماله حتّى بلغوا في استقامة نظام دنياهم إلى ما هو مشاهد و شأن الناقد البصير تمييز الحقّ بعيار النظر في الشيء المعروف عليه قولا كان أو فعلا فانّ وجده صوابا قبله و اتّبعه سواء كان صاحبه من أهل الحقّ أو من غيرهم فليس بالرجال يعرف الحقّ بل بالحقّ تعرف الرجال» [٢١].
ب- ماذا نقتبس؟
و يتّضح من هذا النصّ أنّ خير الدين لا يدعو إلى اقتباس ما يوجد في الدين المسيحي و إنّما ما يوجد في التمدّن الإفرنجي من «مصالح دنيوية» إذ أنّ الدين المسيحي دين تبتّل و زهد فصل منذ نشأته بين الدين و الدنيا.
و لئن حرص على ألّا يقع في المفاضلة بين الأديان فإنّه اضطرّ إليها اضطرارا حتّى يطمئن العلماء و رجال الدين. فهو يبدأ أوّلا بالتذكير بأن الأمم الأوروبية لم تعرف التمدّن في أوّل تاريخها: «إن الحالة الراهنة في ممالك أوروبا لم
[٢٠] أنظر أسفله: ص ١٢١
[٢١] أنظر أسفله: ص ١٢٠.