أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٣٥٤ - خاتمة
و الطّرق الحديديّة و غيرها وجودة آلاتها و الجمعيّات المتجرية و البانكات و غير ذلك من وجوه التمدّن الذي تقدّم شرحه.
و محصّل جوابنا للمنكر هو ما أجاب بمثله ابن خلدون [١٠٠] لما بين مداخيل الدّول الإسلامية و خشي استكثار النّاس لذلك فقال:
«و لا تنكرنّ ما ليس بمعهود عندك و لا في عصرك شيئا من أمثاله فتضيق حوصلتك عن ملتقط الممكنات».
فكثير من الخواصّ إذا سمعوا أمثال هذه الأخبار عن الدول السالفة بادروا بالإنكار و ليس ذلك من الصّواب فإن أحوال الوجود و العمران متفاوتة و من أدرك منها رتبة سفلى أو وسطى فلا يحصر المدارك كلّها فيها.
و نحن إذا اعتبرنا ما ينقل إلينا عن دولة [١٨٠] بني العبّاس و بني أميّة و العبيدّيين و قابلنا الصّحيح من ذلك و الذي لا نشكّ فيه بالذي نشاهده من هذه الدّول التي هي أقلّ بالنسبة إليها وجدنا بينهما بونا و هو لما بينها من التّفاوت في أصل قوّتها و عمران ممالكها.
فالآثار كلّها جارية على نسبة الأصل في القوّة كما قدّمناه و لا يسعنا إنكار ذلك عنها إذ كثير من هذه الأحوال في غاية الشّهرة و الوضوح بل فيها ما يلحق بالمستفيض و المتواتر و فيها المعاين و المشاهد من آثار البناء و غيره.
فخذ من الأحوال المنقولة راتب الدول في قوّتها أو ضعفها أو ضخامتها أو صغرها و اعتبر ذلك بما نقصّه عليك من هذه الحكاية المستطرفة و ذلك أنّه ورد للمغرب في عهد السّلطان أبي عنان من ملوك بني مرين رجل من مشيخة طنجة يعرف بابن بطوطة كان رحل منذ عشرين سنة قبلها إلى المشرق و تقلّب
[١٠٠] ابن خلدون: المقدّمة، ط. ٣، مكتبة المدرسة و دار الكتاب اللبناني للطباعة و النضر، بيروت ١٩٦٧ (الباب الثالث من الكتاب الأول، الفصل الثامن عشر: موارد بيت المال ببغداد أيام المأمون)، ٣٢٢- ٣٢٤.