أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٣٤٦ - رأي خير الدّين في الديون
فرنك أو لمصلحة عمومية كعمل الطرقات و الخلج و المراسي و تعمير المراكب الحربيّة و تبديل أسلحة الجيوش بالمستحدثات منها و نحو ذلك ممّا يلزم لتنجيزه مبالغ وافرة لا يتيسّر أخذها من الأهالي لما ينشأ عنه من ضعفهم الموجب لخلل العمران في المملكة فإنّ الدّولة تطلب من مجلس الوكلاء الرّخصة في اقتراض المبلغ اللّازم لتلك المصلحة بفائدة معلومة في السّنة و المجلس يتفاوض في أصل السّبب الدّاعي إليها بمحضر الوزراء المقدّمين لذلك من طرف الدولة المناضلين عنها.
فإذا رأى غالب المجلس لزومه رخّص للدّولة في الاقتراض بقدره و حينئذ تعلن الدولة للعامّة بالمبلغ المطلوب و فائدته و آجاله التي يدفع فيها مقسّطا فتبادر العامّة إلى قبول [١٧٤] ذلك لما هم عليه من الثّروة و اتّساع الآمال بسبب تنظيماتهم العادلة الضّابطة لتصرّفات الدّولة الملزمة لوفائها بالشرط بحيث لا يسوغ لها أن تسلّم شيئا من المال إلّا لمن تحقّقت حسن تدبيره و حسن إدارته فضلا عن أمانته لأنّ مجلس المحاسبات يتعقّب جميع مصاريف الدّولة بحساب مدقّق و لما لهم في الاقتراض من الفوائد العموميّة و الخصوصيّة لكونه من أهل المملكة غالبا فهو في الحقيقة كسب من مكاسبهم كسائر الأملاك.
و حينئذ لا يزاد على الأداء السّنوي إلّا فائدة الدّين المذكور في كل سنة مثلا إذا كانت جملة المقترض مائة مليون فرنك بخمسة في المائة فالذي تجب زيادته في الأداء السّنوي خمسة ملايين فتنتفع الدّولة و أهل المملكة في أحوال السياسة و المتجر باقتراض المبلغ المذكور لسهولة موادّ العمران لهم و لا يثقل عليهم في الأداء إلّا الملايين الخمسة.
و أمّا الفوائد المرتّبة لأرباب الدّيون على المبالغ المقترضة فإنها تختلف في القلّة و الكثرة بحسب سياسة كلّ دولة و صحّة معاملتها و حسن إدارتها و نحو ذلك ممّا تعتبره أرباب الديون فما كان من الدّول بتلك المثابة خفّف عنه أرباب الدّيون فوائد أموالهم كدولة الإنكليز و دولة الفرنسيس.