أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٣٢٧ - الفصل التاسع في الكلام على ترتيب مجالس الحكم
و في كلّ من مجالس الجنايات اثنا عشر عضوا في الأقلّ تنتخب من أعيان المملكة تسمّى الجوري و ذلك ان مقتضى قوانينهم أن ينتخب في كلّ سنة عدّة أشخاص من أهل المملكة ممّن تتوفّر فيه شروط مقرّرة في القوانين و هم المسمّون بالجوري فيحضر منهم بالمجلس إثنا عشر عضوا في الأقلّ.
و صورة عملهم في ذلك أنّ الوكيل العمومي أي المحتسب إذا أدلى بدعواه على المدّعى عليه لأنّه هو القائم بالدعوى في الجنايات و ناضل عنه وكيله و استوفى الرئيس أعماله من الاستفسار و جلب الشهود و نحو ذلك يلتفت الرئيس إلى الجوري و يطلب منهم بيان ما ظهر لهم في النازلة فتنحاز جماعة الجوري إلى مكان لهم ليتفاوضوا فيها و ما يتّفق عليه غالبهم يعرّف به رئيسهم رئيس مجلس الجنايات لأن الجوري لا مدخل له في تعيين [١٦٠] مقدار العقوبة و إنّما نظره في طرق ثبوت الدعوى و كون المدّعى عليه معذورا عذرا يقتضي التخفيف أو لا لتفاوت العقوبة عندهم باختلاف بواعث الجناية فإن من صمّم على القتل مثلا قبل صدوره منه بمدّة ليس كمن تعدّى عليه المجني عليه حتّى حمله على الفتك به إلى غير ذلك من الأعذار التي تخفّ بها العقوبة.
و حكمهم بالبراءة لا يتوقّف تنفيذه على موافقة مجلس التحقيق. نعم قد ينظره المجلس الأعلى باعتبار فهم القانون ليعتبر ذلك فيما يستقبل فلا يبقى لمجلس الجنايات بعد إعطاء الجوري رأيه إلا تنزيل العقوبة من القانون إن كان الحكم بالعقوبة أو إطلاق المدّعى عليه في الحين إن كان الحكم بالبراءة و لا يقبل هذا المجلس نوازل الجنايات السياسية كمن يهجم على ذات الملك بسوء أو يحيّر راحة المملكة أو نحو ذلك لأن لتلك النوازل مجلسا يخصّها كما تقدّم.
قلت و مع كون وظيفة أعضاء مجالس الحكم و رؤسائها عمريّة في ممالك أوروبا فإنّ الأهالي لم تر فيها ضمانة كافية لحفظ حقوقها إن قصد الأمراء