أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٢٥ - الأسباب الداعية للتأليف
(II الأسباب الداعية للتأليف
أ) الأسباب البعيدة:
تعتبر السنة التي ظهر فيها أقوم المسالك و هي سنة ١٨٦٧ من أشدّ السنوات تأزّما بتونس، فهي السنة الشهباء على حدّ تعبير ابن أبي الضياف [١] عمّ فيها الجدب و استأصل المرض الوبائي المعروف بالكوليرة أهل الإيالة و خاصّة أهل باجة حتّى سمّت العامّة هذه السنة عام «بوبرّاك».
يقول ابن أبي الضياف: «و قال لي بعض عقلاء العرب من أهل الخبرة:
«مات الثلثان» و بقي الثلث و يشهد له الحال من الجباية حتّى عجزوا عن الحفر لمواراة الموتى، فصاروا يجعلونهم في مطامير خزن الحبوب لفراغها، دون ما تأكله الوحش و الكلاب» [٢].
و بلغ السيل الزبى بتزعّم محمّد العادل باي، أصغر إخوة الصادق باي ملك تونس آنذاك، ثورة شعبية اندلعت بجبل باجة عند عروش خمير [٣].
و الحقيقة أنّ أصول هذه الأزمة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ترجع الى سنة ١٨٦٠ حيث اختلّت ميزانية البلاد و انعدم المال ممّا اضطرّ الدولة التونسية إلى الاقتراض من أوروبا سنة ١٨٦٣ و تضعيف الجباية سنة ١٨٦٤.
فكانت ثورة علي بن غذاهم الفلاحية الهائلة في نفس السنة و تبعها اقتراض ثان سنة ١٨٦٥ و ظهور سكّة النحاس و تفاقم الضرائب. و حيث أنّ أقوم المسالك
[١] إتحاف، جVI ، ص ٩٠.
[٢] إتحاف، جVI ، ص ١٠٥.
[٣] إتحاف، جIV ، ص ٩٦- ١٠٣.