أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٩٣ - حرية المطبعة
فمنهم من ناله مع الأوّل فتمّت له الحريّة المطلقة، و منهم من ناله بشروط معتبرة عند الملوك التي لم ترخّص لرعاياها ما تيسّر لغيرها إعطاؤه من الحقوق، و ذلك أنّ أحوال الممالك متفاوتة بتفاوت مقاصد رعاياها، فمنهم من لا ينازع الملوك إلّا لقصد الحصول على ما يسوّغ لهم معارضة الدولة إن حادت عن سواء السبيل، و استجلابها لما فيه صلاح المملكة، و حينئذ تيسّر للملوك إعطاء تمام الحريّة لتوارد مقصد الراعي و الرعيّة على المصلحة.
و منهم من يظنّ به أنّ الباعث له على المناضلة فرط التعصّب و الحميّة، حيث تفترق الرعايا أحزابا، كلّ حزب يروم السياسة التي يراها أصلح للمملكة في نظره، كأن يرى البعض أن تكون الدولة جمهورية، و البعض يختار أن يكون الملك في عائلة غير [٧٦] التي يختارها الآخر، فينشأ عن ذلك ظنّ الدولة أن معارضة الأحزاب لها و إن كانت بحسب الظاهر لإلجائها إلى طرق المصلحة، لكن الغرض منها وراء ذلك. و بذلك الظنّ الناشئ عمّا ذكر استباح الملوك الامتناع من إعطاء تمام الحريّة الموصل لما أشير إليه.
هذا و إنّ من واجبات الممالك التي تنال الحريّة و لو خصوص الشخصية أن يقابلوا تلك النعمة بإظهار آثارها، و استجناء ثمارها بتعاطي المعارف، و أنواع الصناعات الراجعة إلى الأصول الأربعة: الفلاحة و التجارة و الأعمال البدنية و الفكرية.
و بهذه الأصول قوام السعادة الدنيوية المربيّة للهمّة الإنسانية و كمال الحريّة المؤسّسة على العدل و حسن نظام الجماعة، حتّى يكون المحترف مثلا آمنا من اغتصاب شيء من نتائج حرفته، أو تعطيله في بعض أحوال خدمته، فما ينفع النّاس كون أرضهم خصبة كريمة المنابت، إذا كان الباذر فيها لا يتحقّق حصاد ما زرع و من الذي يقدم حينئذ على ازدراعها.
و لضعف أمل الناس في كثير من أراضي آسيا و إفريقيا تجد أخصب مزارعها بورا معطّلة، و لا شكّ أنّ العدوان على الأموال يقطع الآمال، و بقدر انقطاع الآمال تنقطع الأعمال إلى أن يعمّ الاختلال المفضي إلى الاضمحلال.