أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٩٠ - معنى الحرية في أوروبا
الأحوال المختلفة ما لا يجب على غيره. لا سيّما معرفة أهل الخبرة و المروءة و النجدة من رجال المملكة لينتخبهم للخطط المعتبرة، مع التفطّن لدسائس الحسّاد و المفسدين. فإن المطلوب من الملوك ليس هو مجرّد فصل النوازل الشخصية. كما هو مشاهد في بعض الممالك الإسلامية. و لا مباشرة جزئيات الإدارة التي يمكن إجراؤها بغيرهم من المتوظّفين و إنّما المطلوب منهم النظر في كلّيات الأمور من معرفة الرجال اللائقين بالخطط. و امتحانهم و تعقّبهم بالمراقبة لإرشاد جاهلهم و زجر متجاهلهم، و تفقّد أحوال الرعايا، و الإعانة على تكثير الصنائع، و العلوم الموصلة إلى تهذيب الأخلاق و نموّ الأرزاق، و العناية بتنظيم العساكر البريّة و البحريّة، و تحصين الثغور بالعدّة المانعة و القوّة الدافعة لحفظ الدين و الوطن، و إصلاح أحوال الخلطة السياسة و المتجرية مع الدول الأجنبية، بما ينمو به عزّ المملكة و ثروتها إلى غير ذلك من الكلّيات.
فإنّ سعادة الممالك و شقاوتها في أمورها الدنيوية إنّما تكون بقدر ما تيسّر لملوكها من ذلك و بقدر ما لها من التنظيمات السياسية المؤسّسة على العدل، و معرفتها و احترامها من رجالها المباشرين لها.
نقل عن المؤرّخ بوليبيوس [٢٨٧] اليوناني الذي تكلّم على سياسة الأمّة الرومانية، و ما وقع بينها و بين أهل قرطاجنة من الحروب، أنّه قال- في معرض الاستدلال على أنّ المباشر للأمر يلزمه أن يكون عارفا بأصوله- ما معناه: «إذا كان المريض لا يرتجى له حصول العافية على يد طبيب يجهل نوع المرض و الدواء المناسب له، فكذلك المملكة لا يرجى خيرها و استقامتها إذا كان وزراؤها المباشرون يجهلون أصول سياستها، و قوانين شرائعها و عاداتها».
٦٤- معنى الحرّية في أوروبا:
و لا يخفى أن حصول خير المملكة إذا كان يمتنع بسبب [٧٤] الجهل بأصول السياسة فامتناعه إذا انضمّ لذلك عدم وجود تلك الأصول بالكليّة
[٢٨٧]Plybe Polybius .