أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٥٥ - الشبهة الرابعة
و بالجملة فإسناد الشيء إلى عهدة متمنّي زواله من أقوى موجبات اختلاله و اضمحلاله.
٤٠- الشبهة الرابعة:
و أمّا الشبهة الرابعة و هي اقتضاء التنظيمات لمزيد الضرائب على المملكة، فجوابها أنّ هذا القائل المسكين لو علم ما ينشأ عن حالة الاستبداد و حالة التقيّد بالتنظيمات، لما صدرت منه هذه القولة الوهمية المبنية على عكس القضيّة، فإنّ حالة الاستبداد هي التي تقتضي كثرة الضرائب [١٢٤]، إذ يؤخذ فيها اللازم و غير اللازم ليصرف فيما هو في الغالب غير لازم، بخلاف حالة التقيّد فإنّها بضبط الدخل و صرفه في خصوص الأمور اللازمة لا تكلّف فيها أهل المملكة إلّا بضرائب تسمح بها نفوسهم، حيث يرون لزومها و صرفها في مصالح وطنهم.
فإذا قابلنا ما يلزم صرفه على إجراء التنظيمات، بما ينقص بها من المصاريف و الخطط غير اللازمة، التي لم تكن محدودة قبل التنظيمات بعدد و لا ضابط، مع ما يرتفع بها من المظالم التي لا تقف بدونها عند حدّ لم يبق للمنصف شكّ في أن التنظيمات- على فرض كثرة خططها- من أقوى أسباب الاقتصاد و التوفير، لا سيّما و المباشرون لاستخلاص المجابي متقيّدون بالقوانين أيضا.
فشتّان بين حالة المستبدّ الذي يأخذ و يعطي بمقتضى الشّهوة و الاختيار، و حالة المتقيّد بالقوانين الذي يفعل ما ذكر بمقتضاها متوقّعا تعقّب آراء كثيرة يخجل من تنزيلها إيّاه منزلة القاصر في تصرّفه، فضلا عن الخائن فيه.
[١٢٤] كثرة الضرائب: يعتبر الاتحاف لابن أبي الضياف المرجع الأوّل لدراسة علمية و نقدية لكثرة الضرائب بالايالة التونسية في القرن التاسع عشر خاصّة. و لعلّ أشمل دراسة و أعمقها في الغرض و أحدثها أيضا هي دراسة: توفيق البشروش:Le Saint et le Prince en Tunisie (القسم الثاني، الصفحات ٢٧٠- ٤٣٣).