أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٥١ - الشبهة الثانية
و أمّا بقيّة الشبه فلو أردنا الاكتفاء في ردّها بما تقدّم لكفى أيضا، لكن رأينا أن نزيده إيضاحا و بيانا فنقول:
٣٧- الشبهة الثانية:
أمّا الشبهة الثانية فجوابها أنّ عامّة غيرنا، الذين بلغوا بالتنظيمات غاية التمدّن، كانوا في مبدإ الأمر أسوأ حالا من عامّتنا و إن كنّا نسلّم أن معارفنا الدنيوية الآن أقلّ ممّا أنتجته التنظيمات لبعض الأمم الأوروباوية، لكن عند التأمّل يثبت عندنا أنّ الأمّة الإسلامية بمقتضى ما شهد به المنصفون من رجحان عقول أواسط عامّتها على عقول غيرها من الأمم، تقتدر أن تكتسب بما بقي لها من تمدّنها الأصلي، و بعاداتها التي لم تزل مأثورة لها عن أسلافها، ما يستقيم به حالها و يتّسع به في التمدّن مجالها. و يكون سيرها في ذلك المجال أسرع من غيرها كائنا من كان، إذا أذكيت حرّيتها الكامنة بتنظيمات مضبوطة تسهّل لها التداخل في أمور السياسة، و ذلك أن الحريّة و الهمّة الإنسانية اللتين هما منشأ كلّ صنع غريب غريزتان في أهل الإسلام مستمدّتان ممّا تكسبه شريعتهم من فنون التهذيب، بخلاف غيرهم ممّن لم تحصل لهم الغريزتان المذكورتان إلّا بإجراء التنظيمات في بلدانهم.
نعم من الواجب على مؤسّس أصول الحريّة السياسية اعتبار حال السكّان و مقدار تقدّمهم في المعارف ليعلم بذلك متى يسوغ إعطاء الحرّية التّامة و متى لا يسوغ، و متى يعمّم المقدار المعطى في سائر السكّان، و متى يخصّ بمن قامت به شروط معتبرة، ثمّ [٤٥] توسيع دائرتها بحسب نموّ أسباب التمدّن شيئا فشيئا.
ثمّ لو سلّم عدم القابلية للتنظيمات، و أنّ الأمّة كما يزعمه أولئك القادحون بمثابة الصبي غير الرشيد الذي يلزم التقديم عليه، فهل ينهض لهم دليل على