أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٥٠ - الشبهة الثانية
٣٥- شبه المعترضين على التنظيمات:
و حيث تقدّم بيان الأدلّة الكافية لوجوب التنظيمات السياسية التي لو لم يكن إلّا تنفير الأجنبي و المتوظّفين منها لكان كافيا في الدّلالة على حسنها و لياقتها بمصالح المملكة، كان من أهمّ الواجبات على أمراء الإسلام و وزرائهم و علماء الشريعة الاتّحاد في ترتيب تنظيمات مؤسّسة على دعائم العدل و المشورة، كافلة بتهذيب الرعايا و تحسين أحوالهم، على وجه يزرع حبّ الوطن في صدورهم و يعرّفهم مقدار المصالح العائدة على مفردهم و جمهورهم، غير معتبرين مقال بعض المجازفين أن تلك التنظيمات لا تناسب حال الأمّة الإسلامية، مستندا في ذلك إلى أربع شبه:
الأولى: أنّ الشريعة منافية لها.
الثانية: أنّها من وضع الشيء في غير محلّه لعدم قابليّة الأمّة لتمدّناتها.
الثالثة: أنّها تفضي غالبا إلى إضاعة الحقوق بما تقتضيه من التطويل في فصل النوازل، كما يشاهد ذلك في سائر الخطط القانونية.
الرابعة: أنّها تستدعي مزيد الضرائب على المملكة بما تستلزمه من كثرة الوظائف لإدارتها المتنوّعة.
[٤٤] و لا يخفى على المتبصّر أنّ جميع ما استند إليه مردود.
٣٦- الشبهة الأولى:
أمّا الشبهة الأولى فيكفي في ردّها ما أسلفناه ممّا يدلّ على أنّ الشريعة تقتضي التنظيمات، لا سيّما بعد اعتبار أحوال ولاة الوقت و على فرض أن يوجد في التنظيمات بعد تأسيسها و تهذيبها من رجال العلم و السياسة شيء لا مسوّغ له، فلا مانع من تبديله، و لا يكون توقّعه سببا في ترك تأسيس التنظيمات من أصله.