أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٤٩ - رسالة بيرم الأوّل في السياسة الشرعية
يخالف ما نطق به الشرع، فصحيح، و إن أردت لا سياسة إلّا ما نطق به الشرع، فغلط و تغليط للصحابة- رضي اللّه عنهم- و سرد أمثلة من سياستهم».
«و لابن قيّم الجوزيّة هنا كلام حاصله: «إنّ أمارات العدل إذا ظهرت بأيّ طريق كان فهناك شرع اللّه و دينه، و اللّه تعالى أحكم من أن يخصّ طرق العدل بشيء ثمّ ينفي ما هو أظهر منه و أبين».
«و سئل القرافي [١٢٢] عن الأحكام المرتّبة على العوائد «إذا تغيّرت تلك العوائد، هل تتغيّر الأحكام لتغيّرها؟ أو يقال نحن مقلّدون، و ليس لنا إحداث شرع جديد لعدم أهليتنا للاجتهاد؟» فأجاب بأن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغيّر تلك العوائد خلاف الإجماع و جهالة في الدّين، بل الحكم التابع للعادة يتغيّر بتغيّرها. و ليس هذا بتجديد اجتهاد من [٤٣] المقلّدين بل هي قاعدة اجتهد فيها العلماء و أجمعوا عليها». انتهى.
و عدّ ابن القيّم من الجهل و الغلط الفاحش توهّم أنّ الشريعة المطهّرة قاصرة عن سياسة الأمّة و مصالحها. قال: «و لأجل هذا الغلط تجرّأ الولاة على مخالفة الشرع، فخرجوا عن حدود اللّه إلى أنواع الظلم و البدع في السياسة»، يعني و سبب ذلك تمسّكهم أو تمسّك العلماء الذين يفتونهم بظواهر النصوص فيضيّقون ما وسّعه اللّه عليهم، فيضطرّون إلى خلع القيود و هتك الحرمات و الحدود».
«و بناء على ما تقرّر يظهر أن اللّائق بأولئك الهداة أن يتوسّطوا بين التفريط و الإفراط، بحيث لا يبعدون من رجال السياسة بعدا يتسبّب عنه تبعيد تصرّف الولاة عن الشريعة، و ما لا يدرك كلّه لا يترك [١٢٣] و لا يقربون منهم قربا ينشأ عنه تقريب شهواتهم بتسهيل طرقها لهم».
[١٢٢] القرافي: شهاب الدين أبو العبّاس أحمد بن ادريس الصنهاجي: مصري مالكي.
أنظر: محمد مخلوف: شجرة النور،I ، ١٨٣- ١٨٨.
ذكره ابن أبي الضياف: أتحاف،I ، ٥٠ وIV ، ٢٦٠.
[١٢٣] قلّه: قليله و لعلّه خطأ و الصواب: جلّه.