أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٤٧ - وجوب التعاون بين رجال الدين و رجال السياسة
و أنت إذا أحطت خبرا بما قرّرناه علمت أن مخالطة العلماء لرجال السياسة بقصد التعاضد على المقصد المذكور، من أهمّ الواجبات شرعا لعموم المصلحة، و شدّة مدخلية [١١٨] الخلطة المذكورة في إطلاع العلماء على الحوادث، الذي تتوقّف إدارة الشريعة على معرفتها.
و معلوم أنّ ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب.
و بيان ذلك أنّ إدارة أحكام الشريعة، كما تتوقّف على العلم بالنصوص، تتوقّف على معرفة الأحوال التي تعتبر في تنزيل تلك النصوص، فالعالم إذا اختار العزلة و البعد عن أرباب السياسة فقد سدّ عن نفسه أبواب معرفة الأحوال المشار إليها. و فتح أبواب الجور للولاة، لأنّهم إذا استعانوا به فامتنع صاروا يتصرّفون بلا قيد.
نعم يعاب على العالم شرعا و عقلا التكلّف في الدين، و التحمّل في النصوص الظاهرة في خلاف ما أراد منها، و ارتكاب الأقوال الضعيفة ليوافق الأهوية و الأغراض، لا لأجل مصالح تتنزّل منزلة الحاجة و الضرورة، حتّى ينقلب ذلك الضعيف قويّا.
و حيث كانت إدارة المصالح السياسية ممّا لا يتيسّر لغالب الولاة إجراؤها على الأصول الشرعية لأسباب شتّى يطول شرحها، و تقدّمت الأدلّة على ما يترتّب على ابقاء تصرّفاتهم بلا قيد من المضارّ الفادحة، رأينا أن العلماء الهداة جديرون بالتبصّر في سياسة أوطانهم، و اعتبار الخلل الواقع في أحوالها الداخلية و الخارجية، و إعانة أرباب السياسة بترتيب تنظيمات منسوجة على منوال الشريعة، معتبرين فيها من المصالح أحقّها و من المضارّ اللازمة أخفّها، ملاحظين [٤٢] فيما يبنونه على الأصول الشرعية، أو يلحقونه بفروعها المرعية، ذلك المقال الوجيز، المنسوب لعمر ابن عبد العزيز: «تحدث للنّاس أقضية
[١١٨] مدخلية: استعمال عامي تونس لتداخل أو دخول.