أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٣٥ - الإنكشارية و تقويضهم أساس العدل
من قانونه النافع الذي استعان فيه بالعلماء العاملين، و عقلاء رجال دولته و جعل مداره على إناطة تدبير الملك بعهدة العلماء و الوزراء، و تمكينهم من تعقّب الأمراء و السلاطين إن حادوا.
و ذلك أن ملك الإسلام مؤسّس على الشرع الذي من أصوله المشار إليها سابقا وجوب المشورة، و تغيير المنكر و العلماء أعرف الناس به، كما أنّ الوزراء أعرف بالسياسة و مقتضيات الأحوال. فإذا اطّلع العلماء و الوزراء على شيء يخالف الشريعة و القانون الخادم لها فعلوا ما تقتضيه الديانة من تغيير المنكر بالقول أوّلا فإن أفاد حصل المقصود، و إلّا أخبروا أعيان الجند بأنّ وعظهم لم ينفع، و بيّن في القانون المذكور ما يؤول إليه الأمر إذا صمّم السلطان على أن ينفّذ مراده و إن خالف المصلحة، و هو أنّه يخلع و يولّى غيره من البيت الملكي. و أخذ على ذلك العهود و المواثيق من العلماء و رجال الدولة.
و استمرّ العمل على ذلك فكانت منزلة العلماء و الوزراء بالدولة بمقتضى هذا القانون في الاحتساب على سيرة السلاطين كمنزلة وكلاء العامّة في أوروبا الآتي بيانهم، بل هي أعظم باعتبار أنّ الوازع الدنيوي الداعي إلى الاحتساب متأيّد بالوازع الديني عندنا، فبذلك القانون المشار إليه استديم نجاح الدولة و حسن سيرتها.
٢٢- الانكشارية و تقويضهم أساس العدل:
ثمّ إنّها أخذت في التأخّر و النّقص لمّا قصّرت في إجراء المصالح [٣٣] الملكية على مقتضى الشرع و القوانين السياسيّة، و عدمت التحرّي في انتخاب أرباب الخطط المعتبرة، فتصرّف بعضهم بحسب الفوائد الشّخصية، لا باعتبار مصلحة الدولة و الرّعيّة، إلى أن دخل في عسكر الانكشارية [١٠٢] من أفسد
[١٠٢] الانكشارية (تركية): الجند الجديد، و كان هذا الجند مكوّنا ممّن يسبي و يختطف من أبناء الشعوب المغلوبة و مختصا بحراسة السلطان، قضى على جيش الإنكشارية السلطان محمود الثاني سنة ١٨٢٦ لما ثاروا على الدولة.