أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٢٦ - شهادة النصارى على ذلك تاريخ دروي
«و من العلوم التي لهم الفضل فيها الجغرافيا، و سبب تقدّمهم فيها أنّ اتّساع فتوحاتهم، و رغبتهم في الأسفار الخطيرة لافتراض الحجّ عليهم، أنتجت لهم المعرفة بكثير من البلدان الشاسعة، التي لم يصل إليها أهل أوروبا، أو نسوها بعد ما كانت معروفة لهم. و من مشاهيرهم في هذا الفنّ أبو الفداء [٨١]، و المسعودي [٨٢] و الإدريسي [٨٣] و هذا الأخير هو الذي استدعاه روجير ملك صقليّة، و ألّف عنده كتابه الغريب الذي سمّاه «نزهة المشتاق».
«و أما علم التاريخ فمن تآليفهم فيه تاريخا المسعودي و أبي الفداء المذكورين، و تاريخ المقريزي، غير أنّها تواريخ مختصّة بأبناء جنسهم، و قلّ أن يوجد بها الكريتيك» (بمعنى أنهم لا يسبرون منقولاتهم بمسبار العقل- كما أشار إلى ذلك ابن خلدون-) «و لا يخرجون عن دائرة الوقائع المجرّدة». (و لا سبب لذلك إلّا ما حكاه سدليو في تاريخه الآتي ذكره [٨٤] من أنّ وجود التسلّط في الملوك في بلدان المشرق، هو الذي كان يمنع المؤرّخين من شرح جميع الوقائع، ببيان أسبابها، للخطر الذي يلحقهم في حكاية الحقّ.
«و أما صناعة الأرشتكتور أي هندسة البناء في اصطناع الهيئات فلم يشتغل العرب منها إلّا بما يرجع إلى إتقان الأبنية، حيث كانت شريعتهم تمنع التصوير.
على أنّ البناء نفسه لم تظهر لهم فيه اختراعات غريبة، فالأصل عندهم في
[٨١] أبو الفداء الملك المؤيّد إسماعيل بن علي من سلالة صلاح الدين الأيّوبي (٦٧٢- ١٢٧٣/ ٧٣٢- ١٣٣١) شارك في الحروب ضدّ الصليببين و أصبح ملك حماة صاحب كتاب في الجغرافيا: تقويم البلدان و كتاب في التاريخ: مختصر تاريخ البشر.
أنظر: دائرة المعارف الإسلامية، ط ٢،I ، ١٢٢- ١٢٣.
ر. بلاشير: الجغرافيون العرب، ٢٠٣- ٢٠٤.
[٨٢] المسعودي (م. ٥٦٠/ ٩٥٦) ولد ببغداد صاحب مروج الذهب و كتاب التنبيه.
[٨٣] الإدريسي (م. ٥٦٠/ ١١٦٦) من مواليد سبتة تعلّم بالأندلس و خدم الملك النرماني روجارII بصقلية صاحب كتاب في الجغرافيا: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق المشهور بكتاب روجار.
أنظر: ر. بلاشير، الجغرافيون، ١٩٢- ١٩٠.
[٨٤] أنظر أسفله: تعليق (٩٢).