أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١١٨ - عواقب الاستبداد و العمل بالرأي الواحد
أفتراهم و الحالة هذه لا يعذرون في إلقاء زمامهم بيد المذكور؟ بلى!».
(إذا لم تكن إلّا الأسنّة مركبا* * * فلا يسع المضطرّ إلّا ركوبها)
[٥٧].
و مع ذلك فلم تمض إلّا سنوات قليلة إذ انقلب ذلك العاقل مجنونا بجنون غير مماثل لجنون أرباب الثورة، و الجنون فنون، فإنّه تقرّب بمليون من النفوس في ميدان الحرب، و حمل أهل أوروبا على التعصّب [٢٠] على فرنسا حتّى بقيت مغلوبة، غريقة في دمائها، مسلوبة من نتائج انتصارها مدّة عشرين سنة، بحيث صارت على حالة يرثى لها، و لم يبق لها أن تستثمر بعد ذلك إلّا ما كان مزدرعا فيها من بذر التمدّن الوقتي. فمن كان يظنّ أنّ عاقل سنة ثمانمائة و ألف (١٨٠٠ م) يجنّ في سنة اثنتي عشرة و ثمانمائة و ألف (١٨١٢ م*)؟».
«نعم كان يمكن توقّع ذلك، لو أمعنوا النظر في أنّ الذي له القدرة التّامّة، بحيث يستطيع أن يفعل كلّ ما يريد، معه داء لا دواء له، و هو الشهرة الداعية لفعل كلّ مستطاع و لو كان قبيحا».
«إذا تقرّر هذا فعلى أبناء الوطن أن يتأمّلوا سيرة المذكور، و يستخرج منها كلّ فريق ما يناسب خطّته و الأهمّ أمر واحد و هو أن لا يطلق أمر الوطن لإنسان واحد، كائنا من كان، و على أي حالة كان».
«و قد ختمت هذا التاريخ الطويل، المستوعب لأحوال نصرنا و انهزامنا، بهذه النصيحة بل الصيحة الصادرة عن صميم فؤادي، راجيا بلوغها إلى قلب كلّ فرنساوي، ليتيقّن جميعهم أنّه لا يليق بهم بذل حرّيتهم إلى أحد، كما لا ينبغي لهم الإفراط فيها حتّى تنتهك حرمتها». انتهى المراد منه [٥٨].
[٥٧] بحر الطويل و البيت تضمين من خير الدين.
[٥٨] تأثّر خير الدّين بمفكّرين سياسيين فرنسيين ثلاثة واضح بيّن و هم: مونتسكيوMontesquieu و قيزوGuizot و تيارسThiers : أنظر عن تأثّر خير الدين بالتيّار الليبرالي خاصّة الفرنسي منه، مقلي مرسي، المرجع نفسه، تعاليق ٥٥، ٥٧، ٦٩ و خاصّة ٧٠ المتعلّق بتيارس، زعيم المعارضة الليبرالية بفرنسا سنة ١٨٦٣.