أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١١١ - دحض دعوى الوزير المباشر كفيل وحده بتنظيم الدولة دون أهل الحل و العقد
و إمّا أن يخالفهم و يأمر الذين من تحته من المتوظّفين بما تقتضيه مصلحة البلاد، و حينئذ فمن أين له هذا الحقّ؟ و بأيّ ظهير يستظهر على تلك المخالفة؟
خصوصا إذا لم تكن هناك شريعة نافذة تحميه من تحزّب حسّاده الذين غاية أملهم إضراره، و تعطيل تصرّفاته الحسنة، المقلّلة لفوائدهم، بكلّ وجه أمكنهم، و لو بتنفيذ إذنه على غير مقصوده، أو تأخيره عن الوقت المناسب ليظهر الخلل و يكثر الزلل، أو بإخفاء جليل حسناته، و إشهار حقير سيّآته لتغيير القلوب عليه.
و من دعاء عليّ- رضي اللّه عنه: «اللّهم احفظني من عدوّ يرعاني، إن رأى منّي حسنة دسّها، و ان رأى سيّئة أشهرها».
ثمّ إذا خيّب اللّه آمالهم بنجاح سعي الوزير المشار إليه في إدارة المملكة رجعوا إلى سلوك طريق الوشاية به عند الملك، بأن يقولوا: «إنّه استبدّ عليك و لم يبق لك من الملك غير الإسم»، إلى غير ذلك من أنباء الفسّاق التي قد تروج على العاقل، قبل التبيّن، خصوصا عند الدول المشرقية.
فكيف يتيسّر للوزير و الحالة ما ذكر أن يجري إدارة المملكة على مواقع المصلحة، مخالفا بذلك من هو الخصم و الحكم، و لما في هاته الحالة الثانية من العوائق، يضطرّ الوزير المذكور إمّا إلى اختيار الحالة الأولى بالمجاراة، و سلوك طرق المداراة، و عاقبة ذلك وخيمة لعوده بالمضرّة على الوطن و الملك، و عليه نفسه، لأنّ استعذاب الموافقة على الشهوة في الحال الناشىء عنه خراب المملكة يستعقب مرارة الندامة في المآل. و إمّا إلى الاستعفاء من الخدمة بالمرّة، و هو و إن لم يكن واجبا لحفظ ذاته، فهو واجب للتخلّص ممّا يتوقّع من الموافقة على ما يؤول إلى خراب [١٥] المملكة، الموجب لعقاب الخالق، و لوم المخلوق، إذ الإنسان، و لو ساغ له المخاطرة بنفسه لمصلحة الوطن لا يسوغ له المخاطرة بديانته و همّته، و ما يجب عليه من الطاعة للملك، و المحبّة للوطن، لا يحصلان إلّا ببذل الجهد في النصح بجلب المصالح،