رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٧٧
أشبه الأشياء بجملته، صارت نفس الإنسان أيضا أشبه النفوس الجزئية بالنفس الكلية التي هي نفس العالم بأسره.، و صار حكم سريان قوى نفسه و أفعالها في بنية جسده مماثلة لسريان قوى النفس الكلية في جميع العالم.
و بيان ذلك أن لبنية جسدها، أعني النفس الكلية التي هي جملة العالم، سبعة أشخاص فاضلة متحركة مدبرة بإذن الملك الجبار عز و جل، و لكل واحد منها جرم فيه روح تسمّى النفس، و لكل واحد منها أفعال في العالم مخصوصة غير ما للآخر، مذكور ذلك في كتب أحكام النجوم. فهكذا أيضا جعل اللّه تعالى في بنية جسد الإنسان أعضاء بنيتها مناسبة لجملة بدنه بعضها لبعض، و جعل لكل عضو منها قوة تختص بها، ليظهر بها أفعاله في بنية الجسد و في سائر أطرافه، و جعل أفعالها مناسبة لأفعال قوى روحانيات الكواكب السبعة.
بيانه أن نسبة جرم الجسد كنسبة جرم الشمس من العالم بأسره، و ذلك أنه لما كان مركز جزمها في وسط الأفلاك، كما بينا في رسالة السماء و العالم، هكذا جعل الباري تعالى جرم القلب في وسط الجسد؛ و كما أن من جرم الشمس ينبثّ النور و الشّعاع في جميع العالم بأسره، و منها تسري قوى روحانياتها في جميع أجزاء العالم، و بها حياة العالم و صلاحه؛ كذلك ينبثّ من جرم القلب الحرارة، و تسير في العروق الضوارب إلى سائر أطراف البدن، و بها تكون حياة الجسد و صلاحه.
و أيضا إن نسبة جرم الطّحال من الجسد كنسبة زحل من العالم، و ذلك أن جرم زحل تنبثّ مع شعاعه قوى روحانياته، و تسري في جميع أجزاء العالم، و بها تماسك الصّور في الهيولى و بقاؤها بإذن اللّه. فهكذا ينبثّ من جرم الطحال قوة الخلط السوداويّ البارد اليابس، و تجري مع الدم في العروق الواردة إلى سائر أطراف الجسد، و بها يكون جمود رطوبة الدم، و تماسك أجزائه. و يعرف حقيقة ما قلنا و صحة ما وصفنا جماعة من الحذقة