رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٣٣ - فصل
من ألوان تلك الثمار، فيأكلان منها و يتقوّتان بها، و يتنزهان في تلك الأرض و الرياض و الرّوح و الريحان، و الزهر و النّور، مستريحين متلذذين منعّمين فرحين غير خائفين، بلا تعب من البدن، و لا عناء من النفس. و كانا منهيّين عن تجاوز طورهما، و تناول ما ليس لهما قبل وقتها. فتركا وصية ربهما، و اغترا بقول عدوهما فتناولا ما كانا منهيّين عنه، فسقطت مرتبتهما، و تناثرت شعورهما، و انكشفت عوراتهما، و أخرجا من هناك عريانين مطرودين مهانين معاقبين فيما يتكلفان من إصلاح المعاش، و ما يحتاجان إليه من قوام الحياة الدنيا، كما زعم زعيم الطيور في الفصل الأول، و كما ذكر حكيم الجن في فصله مثل ذلك.
فلما بلغ زعيم السباع إلى هذا الموضع من الكلام، قال له زعيم الإنس:
أما أنتم، يا معشر السباع، فسبيلكم أن تسكتوا و تستحوا و لا تتكلموا! قال له كليلة: و لم ذلك؟
قال: لأنه ليس من الطوائف الحضور هاهنا جنس أشرّ منكم، معشر السباع، و لا أقسى قلوبا، و لا أقلّ نفعا، و لا أكثر ضررا، و لا أشد حرصا على أكل الجيف و طلب المعاش.
قال: كيف ذلك؟
قال: ل. نكم تفترسون، معشر السباع، هذه البهائم و الأنعام بمخالب حداد، فتخرقون جلودها، و تكسرون عظامها، و تشربون دماءها، و تنهشون لحومها بلا رحمة عليها، و لا فكرة فيها، و لا رفق بها.
قال زعيم السباع: منكم تعلمنا، و بكم اقتدينا فيما تعملون في هذه البهائم.
قال الإنسي: كيف كان ذلك؟
قال: لأنه قبل خلق أبيكم آدم و أولاده ما كانت السباع تفعل من ذلك شيئا و لا تصطاد الأحياء منها، لأن جيفها كانت كثيرة، و ما يموت منها كل يوم بآجالها كفاية لها تتقوت به، و ما تحتاج إلى صيد الأحياء منها،