رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٩٢ - فصل
جملته أربعة أرباع، كلّ ربع منها موصوف بأربعة أنواع، فمنها مواضع براريّ و قفار و فلوات و خراب. و منها مواضع البحار و الأنهار و الآجام و الغدران. و منها مواضع الجبال و التلال و الارتفاع و الانخفاض. و منها مواضع المراعي و القرى و المدن و العمران.
و اعلم يا أخي أن هذه المواضع تتغيّر و تتبدّل على طول الدّهور و الأزمان، و تصير مواضع الجبال براريّ و فلوات، و تصير مواضع البراري بحارا و غدرانا و أنهارا، و تصير مواضع البحار جبالا و تلالا و سباخا و آجاما و رمالا، و تصير مواضع العمران خرابا، و مواضع الخراب عمرانا، فوجب أن نذكر طرفا من هذه الأوصاف، إذ كان هذا الفنّ من العلوم الغريبة البعيدة عن أفكار كثير من أهل العلم المرتاضين، فضلا عن غيرهم.
و اعلم بأن في كل ثلاثة آلاف سنة تنتقل الكواكب الثابتة، و أوجات الكواكب السيارة و جوزهراتها[١] في البروج و درجاتها. و في كل تسعة آلاف سنة تنتقل إلى ربع من أرباع الفلك. و في كل ستّة و ثلاثين ألف سنة تدور في البروج الاثني عشر دورة واحدة. فبهذا السبب تختلف مسامتات الكواكب و مطارح شعاعاتها على بقاع الأرض و أهوية البلاد، و يختلف تعاقب الليل و النهار و الشتاء و الصيف عليها، إما باعتدال و استواء، أو بزيادة و نقص و إفراط من الحرارات و البرودات، و اعتدال منهما. و تكون هذه أسبابا و عللا لاختلاف أحوال الأرباع من الأرض، و تغييرات أهوية البلاد و البقاع و تبديلها بالصفات من حال إلى حال.
و يعرف حقيقة ما قلنا الناظرون في علم المجسطي و علوم الطبيعيّات، فتصير بهذه العلل و الأسباب مواضع العمران خرابا، و مواضع الخراب عمرانا، و مواضع البراري بحارا، و مواضع البحار براري و جبالا. و يعرف
[١] -الجوزهرات: جمع الجوزهر، و هو من منازل القمر.