رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٨٠ - فصل
و لما كانت الشمس تقضي ستة أشهر في البروج الشّمالية، و تقرب من سمت رأس هذه البلاد، يسخن جوّ الهواء إسخانا شديدا، فتتحرك البخارات و تتغشّى، و تدفعها الرياح الشّمالية إلى ناحية الجنوب. و بما أن الشمس تكون بعيدة من سمت تلك البلاد، يبرد الجوّ و يكون الشتاء هناك و الأمطار و الغيوم و ما يتبعهما من حوادث الجوّ.
فإذا صارت الشمس، بعد ستة أشهر إلى البروج الجنوبية، قريبة من سمت تلك البلاد، و بعدت من البلاد الشّمالية، صار الشتاء هاهنا و الصيف هناك، و ذلك دأبها و دأب الشتاء و الصيف و الغيوم و الأمطار و ما يتبعها من الحوادث التي تقدم ذكرها. و كلّ هذه الحوادث تكون في سمك كرة النسيم دون كرة الزمهرير.
فصل
و أما الحوادث التي في سمك كرة الزمهرير فهي الشّهب و انقضاض الكواكب التي ترى في الليالي. فربما كثر ذلك و ربما قلّ.
و أما هيولاها و مادتها فهو الدخان اليابس اللطيف، الصاعد من الجبال و البراري، فإذا بلغت تلك المادة في صعودها إلى الفصل المشترك بين كرة الزمهرير و بين كرة الأثير، استدارت هناك و تشكّلت و اشتعلت فيها نار الأثير، كما تشتعل نار السراج في دخان السّراج المنطفأ، و كما تشتعل نار البرق في الدخان اليابس الدّهنيّ الذي في السحاب، و كما تشتعل النار في النّفط الابيض ثم تفنيه بسرعة فينطفئ. و مما يدلّ على أن مادتها دخان يابس كثرة ما يرى منها في سني الجدب.
و أما كيفية تشكّل هذه الدخانات، إذا صعدت إلى هناك و اشتعلت فيها النار، فإنها إذا اعتبرت بالفكر، وجدت تارة كأنها أعمدة مخروطة