رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٧٩ - فصل
و المطر و الضّباب مقدارا ما، يضيّق الصدر و يأخذ النّفس و تبتلّ الثياب و الأمتعة، و أيضا لو كان السحاب كلّه قريبا من وجه الأرض، لأضرّ الرعد و البرق بأبصار الحيوان و أسماعها؛ و لو كان بعيدا شديد الارتفاع في الهواء بحيث لم يكن يرى، لكانت الأمطار و الثلوج تجيء مفاجأة، و الناس و الحيوان عنها غافلون غير مستعدّين للتحرّز منها. فكان يكون في ذلك ضرر عظيم عامّ.
فلا تنظر يا أخي إلى فعل الطبيعة، و تفكّر في هذه الحكمة الإلهية و العناية الرّبّانية كيف رفعت هذه الأشياء في الهواء بمقدار الحاجة إليها، فلا بعيد مفرط و لا قريب جدّا، إذا كان في كلا الأمرين ضرر على الناس و الحيوان و النبات.
فصل
فأما علّة كثرة الأمطار في الشتاء و قلّتها في الصيف فهو لأن صعود البخارين متّصل أبدا في العراق و ما يليه من الأقاليم الشّمالية في الصيف أكثر منهما في الشتاء.
و اعلم يا أخي أن لكل كائن تحت فلك القمر أربع علل لا يتكوّن شيء من الكائنات إلّا بها كلّها: إحداها علّة هيولانيّة، و الأخرى علّة صوريّة، و الأخرى علّة فاعليّة، و الأخرى علّة تماميّة.
فأمّا العلة الهيولانيّة للسّحاب و الأمطار و ما يتبعهما فهما البخاران الصاعدان كما وصفنا قبل؛ و العلّة الفاعليّة لها هي الشمس و الكواكب بمطارح شعاعاتها كما تقدم ذكرها، و العلة الصّورية عقد البخارين و جمودهما، و العلة الفاعليّة لذلك برد الجوّ، و العلّة التماميّة تكوّن الأمطار لكيما تبتلّ الأرض، و ينبت النبات، و يتغذى منه الحيوان.