رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٧٥ - فصل
و ما شاكلها، و مثل البخارات الصاعدة في بيوت الحمّامات، و كيفيّة تقطير الماء من سقوفها، و ذلك أن سطح كرة الزمهرير الذي يلي كرة النسيم، و الجبال الشامخة حوالي البحار تقوم لمنع البخارين الصاعدين، اللذين يتكوّن منهما السّحاب و الأمطار، أن يتبدّدا، و يتغشّيا حيطان الحمّامات و سقوفها لمنع البخار الصاعد فيها أن يتبدّد و يتغشّى أيضا فإنها تقوم مقام القرع و الإنبيق[١]، في تصعيد رطوباتها و تقطيرها. و بمثل هذين يدبّر أصحاب الصنعة عقاقيرهم في تصعيد رطوباتها و تقطير مياهها.
و أما البروق و الرعود فإنهما يحدثان في وقت واحد، و لكنّ البرق يسبق إلى الأبصار قبل الصوت إلى المسامع، لأن أحدهما روحانيّ الصورة و هو الضوء، و الآخر جسمانيّ و هو الصوت كما بيّنّاه في رسالة الحاسّ و المحسوس.
و أما علّة حدوثهما فهي البخاران الصاعدان إذا اختلطا في الهواء، و التفّ البخار الرّطب على البخار اليابس الذي هو الدّخان، و احتوى برد الزمهرير على البخار الرّطب، و ضغطهما، فانحصر البخار اليابس في جوف البخار الرّطب، و التهب في جوف البخار الرّطب، و طلب الخروج دفعة، و انخرق البخار الرّطب، و تفرقع من حرارة الدّخان اليابس، كما تتفرقع الأشياء الرّطبة إذا احتوت عليها النار دفعة واحدة، و حدث من ذلك قرع في الهواء، و اندفع إلى جميع الجهات، كما بيّنّا في رسالة الحاسّ و المحسوس، كيفيّة الصوت، و انقدح من خروج ذلك البخار اليابس الدّخانيّ ضوء يسمّى البرق، كما يحدث من دخان السّراج المنطفأ إذا أدني من سراج مشتعل ثم ينطفئ.
و ربما يذوب ذلك البخار و يصير ريحا، و يدور في جوف السحاب، و يطلب
[١] -القرع: واحدتها قرعة، و هي عند أرباب الكيمياء الطبيعة اناء مستطيل متسع الأسفل ضيق الأعلى يوضع فيه ما يراد تقطيره من الادوية مع الماء على النار، ثم يركب على فمه الإنبيق و هو إناء مقبب تتصل به أنبوبة طويلة ضيقة. فاذا غلى الماء تصاعد بخاره إلى جوف الإنبيق، ثم جرى في تلك الأنبوبة، فينحل ماء مكتسبا مزاج هذا الدواء و خواصه، و يسمون هذه المياه المقطرة أرواحا.