رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٧٣ - فصل
يفضل منها ينصبّ إلى البحار و الآجام و الغدران. و تلطّفها الشمس و تصعدها بخارا من الرأس، و تكون منها الغيوم و السحاب، و تسوقها الرياح إلى المواضع المقصودة بها، كما كان عام أول، و ذلك دأبها أبدا، ذلك تقدير العزيز العليم.
فصل
فانظر يا أخي إلى هذه العناية الإلهية الكلّيّة، و السياسة الرّبّانية الحكيمة، و تفكّر فيها، و اعتبرها لعل نفسك تنتبه من نوم الغفلة و رقدة الجهالة، و تنفتح لها عين البصيرة، فتنظر بنور العقل إلى هذا الصانع الحكيم المدبّر لهذه الأمور، كما نظرت بعين الجسد إلى هذه المصنوعات التي نحن في ذكرها، فتكون من الشاهدين الذين مدحهم اللّه تعالى فقال: «إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» و قال: «وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ، أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى شَهِدْنا» ثم قال: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ، قائِماً بِالْقِسْطِ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.» و إذ قد فرغنا من ذكر الرياح، فسنذكر الغيوم و الأمطار و النّدى و الجليد و الضباب و الطّلّ و السحاب و الرعود و البروق و البرد، إذ كانت موادّها البخارات الصاعدة كما ذكرنا قبل.
و اعلم يا أخي أنه إذا ارتفعت البخارات في الهواء، و تدافع الهواء إلى الجهات، و يكون تدافعه إلى جهة أكثر من جهة، و يكون من قدّام له جبال شامخة مانعة، و من فوق له برد الزمهرير مانع، و من أسفل مادة البخارين متصلة، فلا يزال البخاران يكثران و يغلظان في الهواء، و تتداخل أجزاء البخارين بعضها في بعض، حتى يسخن و يكون منها سحاب مؤلّف متراكم، و كلما ارتفع السحاب بردت أجزاء البخارين، و انضمت