رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٧١ - فصل
إلّا الواجب الوجود، الواحد من جميع الوجوه، و كما أن تلك الأمم كلهم يرجعون إلى اللّه ليفصل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، فهكذا حكم المحسوسات كلها، مرجعها إلى النفس الناطقة لتميّز بعضها عن بعض، و تعرف واحدا واحدا منها بحقائقها، و تحكم عليها، و تنزلها منازلها.
فصل
و اعلم يا أخي أن للنفس الإنسانية خمس قوى أخر تنسب. نسبتها إلى النفس غير نسبة هذه الخمس التي تقدم ذكرها، و سريانها في أعضاء الجسد خلاف سريان أولئك، و أفعالها لا تشبه أفعالها. و ذلك أن هذه القوى الخمس هن كالشركاء المتعاونات في تناولها صور المعلومات بعضها من بعض.
و ثلاث منها نسبتها إلى النفس كنسبة الندماء من الملك الحاضرين مجلسه دائما، المطّلعين على أسراره، المعينين له في خاصة أفعاله، و هي القوة المتخيّلة التي مجراها مقدّم الدماغ، و الثانية القوة المفكّرة التي مجراها وسط الدماغ، و الثالثة القوة الحافظة التي مجراها مؤخّر الدماغ. و واحدة منها نسبتها إلى النفس كنسبة الحاجب و الترجمان عن الملك، و هي القوة الناطقة المخبرة عنها معاني ما في فكرها من العلوم و الحاجات، و مجراها في الحلقوم إلى اللسان.
و واحدة منها نسبتها إلى النفس كنسبة الوزير إلى الملك، المعين له في تدبير مملكته و سياسة رعيته، و هي القوة التي بها تظهر النفس الكتابة و الصنائع أجمع، و مجراها في اليدين و الأصابع. فهذه القوى الخمس هي كالمتعاونات فيما يتناولن من صور المعلومات.
بيان ذلك أن القوة المتخيّلة، إذا تناولت رسوم المحسوسات من القوى الحاسّة، أدركت و أدت إليها فتجمعها كلها، و تؤديها إلى القوة المفكرة التي مجراها وسط الدماغ، حتى تميز بعضها من بعض، و تعرف الحق من الباطل،