رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٦٩ - فصل في تعداد قوى النفس
تلفظ بالحروف المعجمة، و هي التي تدل على المعاني في أفكار النفوس كما بيّنا في رسالة المنطق. و لكل نوع من هذه الأنواع نوع آخر، و تحت تلك الأنواع أشخاص لا يعلم عددها إلّا اللّه الواحد القهار. و إن القوة السامعة هي المتولّية إدراكها، المتصرفة فيها بإتيان الأخبار عنها إلى القوّة المتخيّلة التي مسكنها مقدّم الدماغ. و هذه القوة في إدراكها هذه الأصوات و إتيانها بأخبارها تشبه صاحب خبر ملك يأتي بالأخبار إليه من ناحية من نواحي مملكته.
و أما القوّة الباصرة التي مجراها في العينين، فإن النفس قد ولّتها إدراك المبصرات، و هي تنقسم أنواعا، فمنها الأنوار و الظلمة؛ و منها الألوان، و هي السواد و البياض و الحمرة و الصفرة، و ما يتولد عند التركيب من سائر الألوان. و من المبصرات أيضا المقادير ذوات الأبعاد، و الأشكال و الصّور و الحركات و السكون، و كل نوع من هذه تحته أنواع، و تحت تلك الأنواع أشخاص، و هي كلها تحت إدراك القوّة الباصرة، و هي المتصرّفة فيها و المميّزة لها، تأتي بالأخبار عنها إلى القوّة المتخيّلة التي مسكنها مقدّم الدماغ. و نسبة هذه القوّة من النفس كنسبة الدّيدبان[١] و صاحب البريد إلى الملك يأتي بالأخبار إليه من كل ناحية من نواحي مملكته.
و أما القوّة الشامّة التي مجراها في المنخرين، فإن النفس قد ولّتها إدراك الروائح، و التصرّف فيها، و التمييز لها، و هي نوعان: لذيذة و كريهة.
فاللذيذة تسمى الطّيب، و الكريهة تسمى النّتن، و تحت كل نوع من هذه الأنواع أنواع ليس لها أسماء مفردة، كأسماء سائر المحسوسات، و لكن القوّة الناطقة نسبت كل رائحة منها إلى حاملها الذي تفوح منه، فيقال رائحة المسك، و رائحة الكافور، و رائحة العود، و رائحة النرجس، و غير ذلك، فنسبتها إلى الذي تفوح منه، و هي كثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه تعالى. و إن القوّة الشامة
[١] -الديدبان: الرقيب و الطليعة.