رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٦٠ - فصل
لم خلق إبليس و الشياطين و الكفار و الفراعنة و الفسّاق و الفجّار و الأشرار، و لم ربّاهم و رزقهم و يمكّنهم و يمهلهم و لا يهلكهم، و لما ذا فعل هذا؟ و ما شاكل هذه المحاولات و الخرافات و الوساوس التي قلوبهم مملوءة منها، و نفوسهم شاكّة متحيرة، فهم عند اللّه أشرار، و إن كانوا عندكم أخيارا.
فهؤلاء و إن كانوا بالصورة الظاهرة إنسانا، ففي الصورة المعنوية ليسوا كذلك، فأي افتخار لكم بهم، و إنما هم عار لكم.
و أما فقهاؤكم و علماؤكم، فهم الذين يتفقهون في الدين طلبا للدنيا، و ابتغاء للرئاسة و الولاية و القضاء و الفتاوى بآرائهم و قياساتهم، فيحللون تارة، و يحرّمون تارة بتأويلاتهم، و يتبعون ما تشابه، و يتركون حقيقة ما أنزل اللّه من الآيات المحكمات، فنبذوه وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، و يتبعون ما تتلو الشياطين على قلوبهم من الخيالات. كل هذا طلبا للدنيا، و تكسبا للرئاسة من غير ورع و لا تقوى من اللّه تعالى، فأولئك هم وقود النار في الآخرة، أو يتوبون إلى اللّه و يستغفرونه، فأي فخر لكم؟
و أما قضاتكم و عدولكم و المزكّون لكم، فأدهى و أظلم و أبطر، و هم أشرّ سيرة من الفراعنة و الجبابرة، و ذلك أنك تجد الواحد منهم قبل الولاية قاعدا بالغدوات في مسجده حافظا لصلاته، مقبلا على شأنه، يمشي بين جيرانه على الأرض هونا[١]، حتى إذا ولي الحكم و القضاء، تراه راكبا بغلة فارهة[٢] و حمارا مصريّا بسرج و مركب، و غاشية[٣] يحملها السودان، و خفّاقين تنجرّ[٤] في الأرض، قد ضمن القضاء من السلطان الجائر بشيء يؤدّيه إليه من أموال اليتامى و مال الوقوف. و صالح عدوله بشيء من السّحت و البراطيل،
[١] -هونا: سكينة و وقارا.
[٢] -فارهة: كريمة مليحة.
[٣] -الغاشية: الغطاء.
[٤] -خفاقين: نعلين مصوتين. تنجرّ: ارجعها إلى النعل على الإفراد.